وقفات مع يوسف عليه السلام⁴

فقه حُسن التدبُّر
تُعلِّمنا سيرة يوسف عليه السلام أنَّ النجاح ليس مجرد سَعْي، بل هو ذكاء في استغلال الفرص، وصبرٌ جميل لحين نضوج الوقت المناسب.

الموقف الأول:

  • عندما دخل الفتيان السجن مع يوسف عليه السلام وسألاه عن تفسير الرؤيا، لم يستعجل يوسف بالإجابة، بل استغل حاجتهما إليه ليفتح لهما بابًا للدعوة. لم يفسر لهما الرؤية، وإنما بدأ بخطوات تدل على صدقه، فقال لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾، ثم أخبرهما أنه لا يعبد إلا إلهًا واحدًا: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. وذكَّرهما بالله سبحانه وتعالى أنه خير من الأصنام المتعددة التي يعبدونها: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ثم بعد ذلك قام بتفسير الرؤيا لهما.

الموقف الثاني:

  • لبِث يوسف في السجن بضع سنين، فلما جاءته فرصة الخروج بطلب من الملك لتفسير رؤيا “البقرات السبع”، لم يهرع نحو الحرية، بل رفض الخروج، وقال للرسول الذي بعثه الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. أراد يوسف أن يخرج بريئًا، فكان اعتراف امرأة العزيز: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. استغل يوسف عليه السلام الفرصة ليُطَهِّر سمعته أمام الملأ.

الموقف الثالث:

  • بعد أن ظهرت براءته وانبهر الملك بعلمه وأمانته، عرض عليه الملك القرب منه: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. فاستغل يوسف عليه السلام الفرصة وبادر بطلب المسؤولية قائلًا: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. استغل يوسف عليه السلام الفرصة لخدمة الناس وإنقاذ البلاد من القحط.

الموقف الرابع:

  • لما جاء إخوة يوسف من فلسطين طالبين الطعام، عرفهم وهم له منكرون، فلم يكشف هويته مباشرة، ولم ينتقم، بل تدرَّج معهم بطلب إحضار “بنيامين” (شقيقه)، ثم استخدم حيلة “السقاية” ليبقى شقيقه عنده؛ لأنه كان أحب الإخوة إلى أبيهم بعد يوسف عليه السلام، ولذلك أخذه دون الجميع. وكان يُهَيِّئ الوقت واللحظة المناسبين ليعترف الإخوة بخطئهم القديم، وتتحقق الرؤيا بسجودهم له في نهاية المطاف.

ومن هنا نأخذ من قصة يوسف عليه السلام: استغلال الفرص المناسبة للبدء، وللنصح، وللخطاب، ولتقديم المساعدة، والتفكُّر قبل اتخاذ القرارات. وأنَّ الانتظار ليس عجزًا، بل هو استعداد، وأن استغلال الفرصة ليس انتهازية، بل بداية تعمل فيها على نهضة غيرك.

للمزيد:
الرسول ﷺ القدوة الحسنة
التاريخ عبرة، المنهج قدوة: واجب إعادة الأمة إلى رشدها




النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة