لو لخصنا فحوى كتب التنمية البشرية في كلمة لكانت «ثق بنفسك إيها الإنسان»،
وهذه كلمة باطلة مفسدة لقلبِ الإنسان وعلاقتهُ الحقيقيةُ مع خالقهِ وإن استسحنها الكثير.
ومن زعم أنه بثقتهِ بنفسهِ يكون شجاعًا غير متردِّد فيما يفعل، ولا يلقى لكلام الناس بالًا طالما أن الذي يفعله صحيح ولا ضرر فيه، إنّما زعمه هذا نابع عن جهله بحقيقةِ نفسه وأن الإنسان خُلق ضعيفاً، ولا حول له ولا قوة إلا بالله.
لا إشكال أن الشجاعة والإقدام وعدم خشيّة الناس في فعلِ الخير أمرٌ محمود بل ومطلوبٌ شرعًا ولكن… الإشكال من أين يستمد الإنسان قوته لكسب هذه المعاني؟
فالذين يزعمون محورية النفس البشرية يدعون إلى الاعتماد عليها، والثقة بها وكأن النفس جبلًا راسخًا لا يتغير، ولا يتبدل، وهذا من تلبيس الشيطان، وشتّانِ بين من وكّلَ أمره لربهِ ومن وكّل أمره لنفسه.
تفكروا في قوله -تعالى- في حق أعظم الرسل (محمد صلى الله عليه وسلم) وفي حق صحابته في يوم بدر، قال تعالى :(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
فالله سبحانه وتعالى من أول معركة للمسلمين بيَّن لهم الحقيقة، وأن الفضل كله لله، وأن النفس البشرية لا تقوى على شيء دون عونٍ من خالقها، ولا يزال الله يربي رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته على معاني تفويض الأمر لله وحسن التوكل عليه والتحذير من الركونِ للنفسِ، فخرَّجت هذه التربية رجال كالجبال الشامخة:
أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -رضي الله عنهم أجمعين-.
وقد جاء أثر عن عمر الفاروق -رضي الله عنه- (الخليفة الثاني لرسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام)، وهو خير دليل على مانقول، وذلك عندما سأل “عمرُ” -رضي الله عنه- صاحبَ سر رسول الله “حذيفة بن اليمان” -رضي الله عنه- هل عده النبي (صلى الله عليه وسلم) من المنافقين؟!
فقال عُمَرَ -رضي الله عنه- لِحُذَيْفَةَ -رضي الله عنه-: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: لَا. وَلَا أُومِنُ مِنْهَا أَحَدًا بَعْدَكَ. ( رواه الطبري في تفسيره )

هذا عمر جبل من جبال الإسلام وثاني أفضل رجل بعد الرسل يسأل مثل هذا السؤال!
لعلّ من عجيب ما قاله حارت أذهاننا الضعيفة على فهمه سأضرب لكم مثالًا يُقرب لنا المعنى من واقعنا:
“تخيلوا معي طالب يدرس طوال العام لم يتغيب يومًا، ومشاريعه وواجباته تامة كاملة، ووقت الامتحانات كما يقولون يأكل الكتب أكلًا، ثم بعد تقديم الاختبار وقرب ظهور النتائج، ذهب إلى أستاذه يسأله: «هل اسمي موجود في قائمة الراسبين؟»”
تخيلتم؟
أكاد أجزم أن الأستاذ سيقول له: «ثق بنفسِك، أكُلُ هذا الجد والاجتهاد وتقول من الراسبين؟»
نعود لعمر -رضي الله عنه- أليس هو أحق بأن يُطمئن نفسه بعبارات التنمية البشرية فيقول محدثًا نفسه «ثق بنفسك كل هذا الجهاد، وكل هذه العبادة كيف تخشى أن تكون من المنافقين، ما هذا الخوف، أين الثقة بالنفس؟!»
ومن عرف الحق وعرف عظمة خالقه وعرف مقدار ضعف الإنسان يستحيل أن يقول مثل ذلك.
انظروا كذلك إلى قوله تعالى عن يوم حنين:
( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ).
حيث أنهم افتخروا بالكثرة وكان قولهم ” لن نغلب اليوم من كثرة ” فتعلّقت أمالهم بكثرتهم وغفلوا عن التّوكل على الله فكانت النتيجة ( فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).
بختصار لن يجني البشر من الثقة بالنفس والإتكال على الماديات المجردة من الإيمان إلا الهلاك ولو بعد حين.
فلا سبيل موصل إلى الشجاعة والإقدام في فعل الخير، والطاعات، والعبادات حتى الأمور الدنيوية التي لا ضرر فيها إلا بالتوكل على الله بعد عمل الأسباب.
وكذا الأمر في الأذكار التي يرددها المسلم في صبحه ومساءه، فقد ورد دعاء كان يرغب أصحابه في قوله صباحاً ومساء.
قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ما يمنعُكِ أن تسمَعي ما أُوصيكِ به؟ أن تقولي إذا أصبحْتِ و إذا أمسَيتِ : «يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِك أستغيثُ، أَصلِحْ لي شأني كلَّه، و لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ» )).
تفكروا في الدعاء جيدًا ، فهو (صلى الله عليه وسلم) يأمر أصحابه أن يسألوا الله أن لا يجعلهم يركنوا إلى أنفسهم بمقدار طرفة العين!
هذا وهم خير البشر بعد الرسل -رضوان الله عليهم-.
هذا هو الفرق بين الحق، وبين تدليس كتب التنمية، فهذه الكتب تخرج لنا إنسانًا جاهلًا متقوقعًا حول ذاته أقصى ما بلغ إليه نظره هو نفسه الضعيفة، أما الوحي فيخرج لنا رجال شامخين كالجبال ثابتين على الحق؛ وذلك لأنهم عرفوا ضعفهم فتوكلوا على العزيز، الجبار، وافتقروا إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض.
فهم يقولون: «ثقوا بأنفسكم».
ونحن نقول: «توكلوا على اللّه».
ولو قرأتَ نصوص الشرع لوجدت أن التّوكل مأمور به عند كل شدة، وعند كل موقف يتطلّب الآقدام، وعدم التردد والتراجع، ففرق شاسِع بينَ منْ يقولُ: «على اللّهِ توكّلت».
وبين من يقول: «وثقت بنفسي».
والمؤسف أن جموعًا من المسلمين اضحت متعلّقة بكتبِ التنمية البشرية وما تدعوا إليها، وهذا مؤشر خطير وعلينا بذل الجهود؛ لإعادة المياة إلى مجاريها وتقدير الأمور على حقيقتها فالإنسان ضعيف ولا يقدر على شي إلا بحول الله وقوته، والنفس البشرية إن لم تتوكل على الله وحده وَكلَها- سبحانه- إلى ذاتها، وهواها، ووساوس الشيطان، وكفى بذلك خُسرانًا مُبينًا.
للمزيد:
المرأة الغربية المثقفة
كيف أعيد الشغف بالقراءة البناءة؟










