فنُّ ترغيب الناس في الذكر
من يتأمل دعوة الأنبياء يدرك أن أعظم ما كانوا يهدون إليه الناس ليس مجرد كثرة الأعمال، وإنما إصلاح القلوب، لأن القلب إذا صلح انقادت له الجوارح، وإذا امتلأ بمحبة الله هانت عليه الطاعات، واستثقل المعاصي. ومن هنا كان الداعية الحكيم لا يبدأ مع الناس بتعداد الأذكار وفضائلها قبل أن يوقظ في قلوبهم الشوق إلى الله؛ فإن الشوق إذا استقر في القلب أصبح الذكر مطلبًا للنفس، لا تكليفًا تثقل به.
ولذلك فإن أول أبواب الترغيب هو أن نُعرِّف الناس بربهم. فكلما ازداد العبد معرفةً بأسماء الله وصفاته، وبسعة رحمته، وعظيم كرمه، وكمال حكمته، ازداد ميلًا إلى ذكره. فالإنسان يكثر من ذكر من يحب، ويأنس بذكر من يرجو قربه، ويشتاق إلى الحديث عمن امتلأ قلبه بتعظيمه، فكيف إذا كان المذكور هو رب العالمين؟
ومن الخطأ أن يُقدَّم الذكر للناس على أنه علاجٌ مؤقت للهموم، أو وسيلة لقضاء الحاجات فحسب، مع أن الله قد يجعل فيه من الخير والفرج ما يشاء. لكن أعظم من ذلك كله أن الذكر عبودية، وحق لله على عباده، وسبب لدوام الصلة به في السراء والضراء. فمن تعلَّق بالذكر لأنه يريد الله، وجد مع ذلك من بركاته ما لم يكن يخطر له على بال.
والداعية الناجح لا يثقل على الناس بالبدايات الكبيرة، ولا يجعلهم يظنون أن الذكر عبادة لا يطيقها إلا أصحاب الهمم العالية. بل يفتح لهم الباب برفق، ويشعرهم أن الطريق إلى الله يبدأ بخطوة صادقة، ثم يبارك الله لصاحبها حتى يألف قلبه الذكر، ويأنس به، ويجد وحشته إذا غاب عنه.
ومن الحكمة كذلك أن يربط الداعية الذكر بأحوال الناس اليومية. فإذا رأى مهمومًا ذكَّره بأن القلب إذا اتصل بالله قوي على حمل البلاء، وإذا رأى من أثقلته مشاغل الحياة ذكَّره أن دقائق العمر يمكن أن تتحول إلى حسنات لا تنقطع، وإذا رأى مقصرًا لم يعنِّفه، وإنما فتح له باب الرجاء، وذكَّره أن الله لا يمل حتى يمل العبد، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّت.
ومن أعظم ما يدخل الناس إلى باب الذكر أن يروا أثره فيمن يدعوهم إليه. فالداعية الذي يطمئن عند الشدائد، ويحفظ لسانه، ويعامل الناس برفق، ويستقبلهم ببشاشة، ويغلب عليه الوقار وحسن الخلق؛ يدعو إلى الذكر بحاله قبل مقاله. فإن القلوب كثيرًا ما تتأثر بالسلوك الصادق أكثر من تأثرها بالخطب الطويلة.

ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يراعي أحوال المدعوين، فيخاطب كل إنسان بما يصلح قلبه، ويختار من الكلام أيسره وأبلغه، ويترك من المباح ما يخشى أن يورث الملل أو المشقة. وهذه قاعدة جليلة في الدعوة إلى الذكر؛ فليس المقصود أن نكثر على الناس الوصايا، وإنما أن نحبب إليهم الطريق إلى الله حتى يسلكوه عن قناعة ومحبة.
وينبغي للداعية أن يحذر من أن يجعل الذكر أرقامًا تُحصى، أو منافسةً بين الناس، فإن حقيقة الذكر ليست في كثرة العدد مع غفلة القلب، وإنما في صدق الإقبال على الله. ورب كلمة خرجت من قلب حاضر كانت أعظم أثرًا من أوراد طويلة لم يصحبها تدبر ولا إخبات.
كما أن من فقه الدعوة ألا يُشعر الناس بالتقصير كلما لقيهم، بل يذكِّرهم بسعة رحمة الله، ويفتح لهم أبواب الأمل، ويجعلهم يخرجون من مجلسه وهم مشتاقون إلى ذكر الله، لا مثقلين باليأس من أنفسهم. فالنفوس إذا فُتحت لها أبواب الرجاء أقبلت على الطاعة، وإذا أغلقت في وجوهها ربما ضعفت همتها وانكسرت عزيمتها.
ولعل من أجمل وسائل الترغيب أن يربط الداعية الناس بالمعاني لا بالألفاظ وحدها؛ فيعلمهم أن التسبيح تنزيهٌ لله عن كل نقص، وأن الحمد اعترافٌ بجميل إنعامه، وأن التهليل إعلانٌ لتوحيده، وأن التكبير امتلاء القلب بعظمة الله فوق كل شيء. فإذا فقهوا هذه المعاني لم تعد الأذكار كلمات تتردد، بل حقائق يعيشونها في عبادتهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم.
إن الداعية الصادق لا يقود الناس إلى كثرة الذكر فحسب، بل يقودهم إلى محبة المذكور سبحانه. فإذا أحبوا ربهم، جرى ذكره على ألسنتهم من غير تكلف، وعمرت به قلوبهم من غير تصنع، وصار الذكر عندهم أنسًا بعد الوحشة، وقوةً بعد الضعف، وزادًا في طريق السير إلى الله.
وهذه هي الغاية التي ينبغي أن يحملها كل من يدعو إلى الله: أن يخرج الناس من غفلة القلوب إلى حياة الأرواح، وأن يجعل الذكر ربيعًا لقلوبهم، لا واجبًا ثقيلًا على ألسنتهم، فإن القلوب إذا عرفت ربها أحبته، وإذا أحبته أكثرت من ذكره، ومن ذاق حلاوة القرب من الله لم يرضَ عنها بديلًا.










