أعراض السحر المرشوش!

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 21: أعراض السحر المرشوش!

هذا الكلام فيه تلبيسٌ شديد، وفيه خلط بين ما قد يقع من أذى السحر حقيقةً، وبين توسيع دائرة الأوهام والوساوس حتى يُفسَّر بها كل اضطراب نفسي أو مرضي أو أسري.
فأما السحر فهو حق ثابت، وقد يقع به الأذى بإذن الله الكوني، لكن هذا المنشور جعل “السحر المرشوش” كأنه أصل كل بلاء، ثم بدأ يسرد أعراضًا مطاطة يدخل تحتها نصف ما يعانيه البشر من تعب نفسي أو جسدي أو اجتماعي.

ومن أخطر ما فيه:
قوله: “السحر المرشوش من أكثر أنواع السحر ولا يستغني عنه ساحر”
هذا من الكلام على الغيب بلا علم، فمن أين له إحصاء أعمال السحرة وأحوالهم؟
جعل أعراض السحر تشمل: التعب، والصداع، والخلافات الزوجية، والكوابيس، والقلق، والخمول، والتنميل…
حتى صار الإنسان إذا مرض أو ضاق صدره أو تعثرت أموره ظن نفسه مسحورًا!
وهذا باب عظيم من أبواب الوسوسة وإفساد النفوس.

بعض المذكور أعراض طبية أو نفسية معروفة: كالاختناق أثناء النوم، والخوف، والقلق، والتنميل، وسماع التخبطات المتوهمة مع التوتر والهلع. فإقحام السحر في كل ذلك بغير بينة يجر الناس إلى الوهم المرضي.

وأشد ما فيه خطرًا: فتح باب التعلق بالرقاة والمشعوذين، حتى يعيش الناس مراقبين للأرض والروائح والأصوات والظلال أكثر من مراقبتهم لذنوبهم وتقصيرهم.

وهذا خلاف طريقة أهل السنة، فإنهم يثبتون السحر كما جاء به الوحي، لكن لا يجعلونه تفسيرًا جاهزًا لكل مجهول.
ثم تأمل كيف تحولت العقيدة عند بعض الناس: بدل أن يُربَّى العبد على قوة التوحيد والتوكل، صار يُربَّى على ترقب “السحر المرشوش” خلف كل باب! حتى صار الشيطان في قلوبهم أعظم حضورًا من معاني: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
والحق: أن كثيرًا مما يُتداول في هذا الباب مبالغات وتجارب وظنون لا يجوز بناء الأحكام عليها.

نعم، نؤمن بالسحر. لكن لا نؤمن بخرافة تحويل الحياة كلها إلى ملفٍّ غيبي وأسود تديره الطلاسم والمرشوشات والهمسات.
فالدين مبناه على الوحي واليقين، لا على الهلع الشعبي والرعب الروحاني.
حسبنا الله

الرد

ما هكذا تُحفظ عقائد الناس، بل هكذا تُخرَّب.

كل تعبٍ صار سحرًا.
وكل خلافٍ صار “مرشوشًا”.
وكل مرضٍ صار عملًا شيطانيًا!

حتى امتلأت القلوب رعبًا من الجن، وفرغت من تعظيم الله والتوكل عليه.

ثم بأي علمٍ يتكلم هؤلاء؟
من أين جاءوا بهذه القوائم الطويلة التي يخلطون فيها بين الأمراض النفسية والعضوية وبين السحر؟
بل كيف صار الصداع، والخمول، والقلق، والمشاكل الزوجية، والتنميل، والاختناق أثناء النوم… أدلةً قطعية على “السحر المرشوش”؟!

إن هذا الباب لو تُرك لهؤلاء لأدخلوا الأمة في مستنقع الأوهام، حتى يعيش المسلم يفتش الأرض والعتبات والروائح والظلال، ولا يفتش قلبه من الذنوب والتقصير.

نعم، السحر حق.
لكن الكذب على الغيب حقٌّ أيضًا؟
والقول على الله بلا علم حقٌّ أيضًا؟

أين الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ على هذه “الأعراض التفصيلية”؟
وأين كان هذا الفقه عند الصحابة والتابعين؟
أم أن الوحي نقص حتى جاء “الراقي” ليكمله بقوائم الرعب والأساطير؟

لقد صار بعض الرقاة يربّون الناس على التعلّق بالجن أكثر من التعلّق بالله، حتى أصبح الشيطان حاضرًا في تفاصيل حياتهم أعظم من حضور معاني الإيمان واليقين.

وهذه من أعظم المصائب العقدية:
أن يتحول التوحيد إلى خوف دائم من المجهول، وأن يُربّى الناس على الوسوسة لا على الثبات.

قال تعالى:
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

لكن تجارة التخويف لا تقوم إلا بتضخيم الشيطان، ونشر الهلع، وصناعة أمةٍ مذعورةٍ ترى السحر خلف كل باب.

للمزيد:
السحر
حملة تعظيم الربّ والدّين



النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة