الذكر وأثره في تثبيت العلم وبركة الوقت

|

ليس بناء طالب العلم بكثرة ما يحفظ من المسائل، ولا بما يجمع من الكتب، ولا بطول مجالسته للعلماء فحسب، وإنما يبدأ بنورٍ يقذفه الله في القلب، فتزكو به النفس، ويخلص به القصد، ويبارك به في الفهم والعمل. ولهذا لم يكن العلم في منهج النبوة معلوماتٍ مجردة، وإنما كان عبادةً تورث الخشية، وتزكيةً تُصلح القلب، ثم يفيض أثرها على اللسان والجوارح.

ومن تأمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أن أعظم ما ربى عليه أصحابه هو تعظيم الله ومراقبته ودوام الصلة به، فكانت قلوبهم عامرة بالإيمان قبل أن تمتلئ بالعلوم، وكانت معرفتهم بالله هي الأصل الذي بنيت عليه معارف الدين كلها. ولهذا صار علمهم نافعًا، وعبادتهم مستقيمة، ودعوتهم مؤثرة؛ لأن العلم إذا انفصل عن حياة القلب تحول إلى ألفاظ تحفظ، أما إذا اقترن بذكر الله أورث صاحبه خشيةً ووقارًا وإخلاصًا.

ولم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون العلم غايةً في ذاته، بل كانوا يرونه طريقًا إلى العمل. فكان أحدهم إذا تعلم من كتاب الله شيئًا عمل به قبل أن ينتقل إلى غيره، حتى يجتمع له العلم والعمل جميعًا. ولهذا ثبت علمهم في صدورهم، ولم يكن محفوظًا في ألسنتهم فقط؛ لأن القلب الذي يكثر من ذكر الله أسرع قبولًا للحق، وأثبت عليه، وأبعد عن الغفلة التي تذهب بنور العلم.

ومن خصائص العلم النافع أنه يورث صاحبه التواضع، وكلما ازداد العبد معرفةً بربه ازداد افتقارًا إليه، فلا يعتمد على ذكائه، ولا يغتر بسرعة فهمه، بل يعلم أن الفهم رزق من الله، وأن التوفيق بيده وحده. ولهذا كان أهل العلم يكثرون من دعاء الله أن يفتح عليهم، ويستعينون به قبل القراءة، وأثناء البحث، وبعد الفراغ من التعلم، إدراكًا منهم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأن العلم فضل يؤتيه الله من يشاء.

والذكر من أعظم ما يحفظ على طالب العلم قلبه من الآفات التي تفسد العلم. فما أكثر من أفسده العجب، أو حمله حب الظهور على طلب الشهرة، أو شغله الجدل عن الانتفاع بما يعلم. فإذا عمر القلب بذكر الله صغر عنده حظ النفس، وعظم في عينه حق الله، فصار يطلب العلم ابتغاء وجهه، لا طلبًا لمنزلة بين الناس، ولا مفاخرةً بالأقران.

ولذلك كانت العبادة عند السلف قرينة العلم لا تنفك عنه. فما عرف عنهم أنهم شغلوا أوقاتهم بالدرس وأهملوا تزكية قلوبهم، بل كانوا يجعلون للقرآن والذكر والدعاء والاستغفار نصيبًا ثابتًا من يومهم، يرون أن ذلك مما يقوي الفهم، ويبارك في الحفظ، ويعين على العمل. ولم يكن هذا عندهم أمرًا زائدًا على طلب العلم، بل كان من تمامه وكماله.

ذكر

ومن تأمل سيرهم وجد أن البركة كانت تملأ أعمارهم، فيؤلف أحدهم الكتب الكثيرة، ويعلم آلاف الطلاب، ويجيب عن النوازل، ويقوم بالعبادة، ويجاهد، ويصلح بين الناس، في عمر ليس بالطويل. ولم تكن هذه البركة ثمرة قوة البدن وحدها، بل ثمرة إخلاصٍ صادق، ودوام افتقار إلى الله، وعمارة الأوقات بما يقرب إليه.

ومن هنا فإن طالب العلم لا ينبغي أن يقيس نجاحه بعدد الصفحات التي قرأها، ولا بعدد المتون التي حفظها، وإنما يقيسه بما أحدثه العلم في قلبه. فإن كان كلما ازداد علمًا ازداد خشيةً، وأدبًا، وذكرًا لله، ورحمةً بالخلق، فقد سلك سبيل العلماء الربانيين. أما إذا ازداد علمه وقسا قلبه، وضعفت عبادته، واشتغل بعيوب الناس عن عيب نفسه، فليتهم علمه، وليعلم أن العلم الذي لا يقود إلى عبودية الله لم يؤت ثماره المقصودة.

وما أحوج طالب العلم في هذا الزمن، وقد كثرت الشواغل، وتسارعت الملهيات، إلى أن يجعل الذكر رفيق رحلته العلمية؛ فلا يدخل مجلسًا إلا مستحضرًا مراقبة الله، ولا يفتح كتابًا إلا وهو يستشعر أنه يتقرب إلى الله بتعلم دينه، ولا يفرغ من مجلس علم إلا وقد حاسب نفسه: ماذا عملت بما تعلمت؟ فإن العلم إن لم يثمر عملًا كان حجة على صاحبه، وإن أثمر ذكرًا وخشيةً وإصلاحًا للنفس كان نورًا يهدي الله به صاحبه في الدنيا والآخرة.

وهكذا تتجلى حقيقة البناء العلمي في الإسلام؛ فأساسه قلب موصول بالله، ولسان عامر بذكره، ونفس مؤدبة بآداب الوحي، ثم يأتي العلم بعد ذلك فيستقر في قلب طاهر، فينبت كما ينبت الغيث في الأرض الطيبة، ويبارك الله لصاحبه في فهمه، ووقته، وعمله، وتعليمه، فيكون من الذين جمعوا بين شرف العلم، وصدق العبودية، وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

للمزيد:
العلم الذي نحتاج إليه
كيف أبدأ تعلم العلم الشرعي، وأتفقه في أمور الزواج؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة