المؤمنة التقية وحديث الله عنها في كتابه الكريم

ذات رمضان، عقدتُ العزم على أن أخصص ختمتي لتأمل ما قاله القرآن عن المرأة والأنثى، وعن حقوقها وكرامتها ومكانتها في كتاب الله. جاء هذا القرار في وقت كثرت فيه الشبهات المثارة حول نظرة الإسلام إلى المرأة، واشتدت فيه أصوات التشكيك في أحكام الشريعة وهدي النبي ﷺ، فشعرتُ أن أحوج ما أحتاج إليه ليس أن أجادل كل شبهة، وإنما أن أعود إلى كتاب ربي، وأن أرى بنفسي: ماذا قال الله عني؟
ووالله الذي لا إله غيره، ما إن بدأت هذه الرحلة بين دفتي المصحف حتى توالت دموعي؛ رهبةً وحبًا وشكرًا. كنت أقرأ كيف اعتنى القرآن بشأن المرأة، وكيف قرن حفظ حقوقها بتقوى الله، وكيف لم يترك شأنها للهوى أو الأعراف المتقلبة، بل أحاط حياتها في مراحلها المختلفة بتشريع يحفظ حقها ويصون كرامتها.

فبدأت أتأملها زوجةً؛ كيف جعل الله الرجل قوّامًا عليها، مسؤولًا عنها، قائمًا بشؤونها ورعايتها والإنفاق عليها، وجعل لها في بيتها مكانًا ورسالةً تناسب فطرتها التي فطرها الله عليها، وأوجب عليها حق زوجها من الاحترام والطاعة في المعروف، لتقوم الأسرة على التكامل بين الزوجين، ولكل واحد منهما مكانته ومسؤوليته.

ثم تأملت كيف حفظ الله حقها المالي منذ اللحظة الأولى، فأوجب لها الصداق، فقال سبحانه:
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۖ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:4]

فالصداق حق لها، ومالها ملكها، لا يُؤخذ منه شيء إلا عن طيب نفس منها. وتأملت دقة التعبير القرآني: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾؛ حتى ما قد تسمح به لزوجها من مالها، لم يجعل الله أخذه حقًا له لمجرد قيام الزوجية، وإنما علّقه على رضاها وطيب نفسها.

ثم تأملتُ المرأة عند الفراق، فإذا بالتشريع الذي أحاط الزواج بالمودة والرحمة لا يتركها لحظة الانفصال، بل يواصل حفظ حقها حتى في أشد مواطن الخصومة.
تأملت سورة الطلاق، التي سمّى بعض السلف «سورة النساء الصغرى»؛ فقد افتتح الله أحكامها بالتقوى، وجعلها حاضرة حتى في لحظات الفراق، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1]
ثم يقول سبحانه:
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2]

ثم قوله سبحانه:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ﴾ [الطلاق:6]

كلما قرأت هذه الآيات ازددت يقينًا بأن التقوى ليست كلمة تُقال في الحديث عن المرأة، وإنما هي ميزان يظهر أثره في معاملتها وحفظ حقوقها؛ حتى حين تنتهي الحياة الزوجية.

ثم امضي في التأمل، وانظر كيف خلّد الله في كتابه قصص نساء كريمات، لتبقى سيرتهن عبرةً للأجيال، وليُتلى ذكرهن في كتاب يُتعبّد بتلاوته إلى يوم القيامة.

فهذه مريم عليها السلام، التي تقبّلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا، وكفّلها زكريا، ثم كانت قصتها شاهدًا على رحمته وسعة رزقه وقدرته.
قال سبحانه:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 37 – 38]

وتأملت كيف أفرد الله مريم بذكرها في سورة كاملة تحمل اسمها، فقال:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:16]
فتُخلّد سيرة امرأة مؤمنة في كتاب الله، وتصبح قصتها جزءًا من الوحي الذي يتلوه المؤمنون جيلاً بعد جيل. أي تكريم أعظم من هذا؟

وأم موسى وقصتها وما أدراك ما أم موسى تلك التي تحدث الله لنا عن قلبها وشعورها وهذا والله وقعه في نفس كل مؤمنة شيء عظيم ، الله عز وجل يخبرنا كيف ربط على قلبها وأن شعورها الذي كادت لتبدي به على وليدها لم يخف على الله وكيف يخفى على من يعلم السر وأخفى وكيف يخفى على من جبلها كأم على حب طفلها حبًا شديدًا ، يخبرنا كيف ربط على قلبها بالإيمان فلا تسخط ولا تشكي ثم كيف كان جبره لها فحرم على وليدها المراضع ليرده إليها فتقر عينها وتزداد يقينًا على يقين ولتعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين وأن من توكل عليه فلن يخذله.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) ۞ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)﴾ [القصص 10 – 13]

ثم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكيف نزل القرآن بتبرئتها من الإفك، فصار ذكر براءتها آيات تُتلى إلى يوم القيامة.
قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:11]

الله

ثم انظر إلى عناية القرآن ببيان أن العمل الصالح لا يضيع عند الله، وأن هذا الباب مفتوح للذكر والأنثى على السواء، قال سبحانه:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران:195]

فليس في ميزان الله عمل صالح يضيع لأن فاعله امرأة، ولا يُحرم ثواب الطاعة أحدٌ لكونه أنثى. إنما العبرة بالإيمان والعمل والتقوى.

ثم وقفت عند آية الاستفتاء في سورة النساء، وتأملت هذا الموضع الذي أمر الله فيه نبيه ﷺ أن يبيّن أن الله هو الذي يفتي في شأن النساء:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:127]

تأملي هذا الشرف العظيم: أن شأن النساء لم يكن أمرًا متروكًا للأهواء والأعراف، بل جاء الوحي ليبيّن أحكامه، ويحذّر من أكل الحقوق، ويأمر بالقسط والعدل.

ثم قوله تعالى:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل58 – 59]

ما أشد وضوح القرآن في إنكار هذا التصور الجاهلي الذي يرى في ولادة الأنثى عارًا! يصف الله حال من تضيق نفسه بالبشارة بها، ثم يرد على هذا الحكم بقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
ثم طفت في سورة التكوير، حيث يأتي السؤال المزلزل عن الموءودة:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:8 – 9]

فلا تمر جريمة وأد البنات في القرآن مرورًا عابرًا، بل تُعرض في مشهد من مشاهد القيامة؛ ليبقى هذا الظلم مرفوضًا، ولتبقى حرمة النفس مصونة، ولنعرف كيف ينظر الوحي إلى تلك الطفلة التي كانت الجاهلية تحتقر وجودها.

وهنا أدركت أنني لست بحاجة إلى أن أبحث بعيدًا لأعرف كيف ينظر الإسلام إلى المرأة.
يكفيني أن أفتح كتاب ربي.
أراه يأمر بحفظ حقوق النساء: بنتًا وزوجةً ومطلقةً وأرملةً، كبيرةً وصغيرةً، وينهى عن مضارتهن وظلمهن، ويقرر أن العمل الصالح لا يضيع عنده، سواء صدر من ذكر أو أنثى، ويذكر مريم عليها السلام بما يليق بمقامها، ويبرئ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بآيات تتلى إلى يوم القيامة، وينكر احتقار الأنثى، ويستنكر وأد البنات.
ولست بحاجة إلى أن أجعل كرامة المرأة في الإسلام قائمة على مقارنات عامة مع الحضارات والتشريعات؛ فقبل كل مقارنة، يكفيني أن أعرف ماذا قال الله، وماذا شرع، وكيف حفظ الحقوق وأقام الموازين.

ومن هنا، فإن رسالتي لكل امرأة تشعر بالحيرة أمام ما يُثار حول دينها:
افتحي كتاب ربك بنفسك.

لا تجعلي علاقتك بالقرآن رهينةً لما يقوله خصومه عنه. اقرئيه، وتأملي آياته، وانظري كيف خاطبك الله، وما الحقوق التي شرعها لك، وما الظلم الذي نهى عنه، وما النماذج النسائية التي اختار أن يخلّد ذكرها.
ستجدين أن القرآن لا يدعوك إلى أن تستمدي قيمتك من إعجاب الناس بك، ولا من مقاييسهم المتغيرة؛ بل يردك إلى الله، حيث يكون معيار الكرامة هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
فما رفع قدرنا حقًا إلا الله، وما علّمنا حقوقنا وواجباتنا إلا الله، وما ينبغي أن يكون مرجعنا الأول في فهم أنفسنا ومكانتنا في هذا الدين إلا كلام الله وهدي رسوله ﷺ.
فعودي إلى كتاب ربكِ.
اقرئيه لا لتبحثي عن معركة تنتصرين فيها، بل لتعرفي ربك وتفقهي رحمته وحكمته أكثر، وعن حقٍّ تطمئنين إليه، وعن طريقٍ يزداد به قلبك ثباتًا.

وربما كانت أجمل إجابة عن كثير من الشبهات أن نعود إلى المصدر نفسه، وأن نسأل :
ماذا قال الله عن الأنثى في القرآن؟
ثم نصغي.

للمزيد:
النساء في آي القران
المرأة في الإسلام: تكريم لا تقييد

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة