اليوم الآخر…الرّكن الذي نسيناه!

الحمد لله، أما بعد:

من اللطائف التي كان لها وقع بالغ في نفسي في مجال “عقيدة اليوم الآخر”، ما ذكره الدكتور المربي فريد الأنصاري —رحمه الله تعالى— في كتابه” جمالية الدين “، ما يرويه عن الدكتور إحسان الصالحي، حيث قال رحمه الله:

«.. ومن طرائف ما أرويه في هذا السياق، ما حدثنا به أحد أساتذتنا، وهو فضيلة الأستاذ إحسان قاسم الصالحي. قال: كلفت وزارة التربية والتعليم ببلد عربي بعض الأساتذة الأفاضل بوضع كتاب في العقيدة، يكون مقرراً دراسياً للطلاب. وعندما أكملوا مسودته، عرضها أحدهم على الأستاذ إحسان لمراجعته. قال: فلما تصفحت الكتاب وجدته قد احتوى على كل شيء في العقائد، عدا ركن الإيمان باليوم الآخر.. فسألته عن سر غياب هذا الركن من المقرر، فأجاب بأنه موجود! فقلت له: بل هو غير موجود! فأخذ مني الكتاب وتصفحه، ثم لم يجد له أثراً!.. فأطرق، ثم قال: لقد نسيناه! قال الأستاذ إحسان: فكتبوا الفصل الخاص بعقيدة اليوم الآخر بعد ذلك، تحت عنوان:«الركن الذي نسيناه!.»

كان هذا العنوان بالغ الأهمية، لكشفه عن خلل عقدي خطير في واقع هذه الأمة، مما يستوجب إعادة إحيائه في صدورنا. إذ إن ضمور الشعور بأهمية اليوم الآخر، أو بالأحرى نسيانه، أدى إلى فتور الهمة الدعوية وتعثّر المشاريع التي يشوبها فسادٌ في النية والقصد، مما يسري أثره على كافة المستويات، من جماعات ومشاريع ومؤسسات وأفراد، رجالا ونساء.

إذا تلاشى مفهوم الجزاء الأخروي وعِظَم الثواب وجمالية اليوم الآخر عمومًا تزول البركة، وتضعف دعائم الأعمال والثغور التي أساسها مآرب دنيوية محضة ولو كانت النية لله عز وجل، ولكن هي نية بها دخن!.. إذا تناساها المجتمع انتشر الظلم والطغيان والفساد، وإذا تناساها الزوج أَخلّ بقوامته ورعيته ومسؤوليته، وإذا تناستها المرأة نظرت إلى الحياة الزوجية كروتين وضرورة بشرية أكثر مما هي مشروع لنهوض الأمة، والنتيجة أسرة مضطربة ومتفككة نفسيًا واجتماعيًا، وبالتالي مجتمع مغشوش لا أواصر له ولا رفعة ولا نهضة…

وفي هذا السياق، من الجميل استحضار عظم هذا الباب وجماليته، لما يورثه في القلب من الرضا والأنس والصبر والاحتساب. وأعظم ما تكلم فيه العارفون بالله منذ عهد النبوة في هذا الباب: رؤية الله سبحانه وتعالى، ذي الصفات الجلية، تقدست أسماؤه وصفاته، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بدرية لأصحابه: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا!»

فالتنعم برؤيته سبحانه كفيل بأن يشحذ همة المؤمن، وتقوي عزيمته وإقباله على الأعمال الصالحة، والتزود لذلك اليوم، فما أجمل رؤية من كان يغفر الذنب، ويقبل التوبة، ويحن على عباده، ويكشف الغم، ويفرج الهم، سبحانه وتعالى.

ومن المعلوم أن دار الدنيا هي دار سباق ومسارعة بين ثلة الصالحين، حتى إن التفاوت بينهم يبقى ممتدا إلى اليوم الآخر، إذ إن الجنة منازل، كما أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم»، وذلك في بلاد الله الموعودة لصالح عباده، وهي الجنة التي يستأنس بذكرها الصابرون والقابضون على جمر هذا الدين المتين.

فالله الله في عقيدة اليوم الآخر، ولعمري، لهي لُبّ عقيدة المسلمين، إذ إن جانبًا كبيرًا من آثار الإيمان بالله سبحانه وتعالى مرتبط بالإيمان باليوم الآخر، و  إنه لمن الركائز التي يُبنى عليها عماد الأعمال والنيات، وهو الإخلاص، فالمؤمن يستشعر اليقين بالغيب وما أعده الله من الجزاء والعقاب لكلا الفريقين، وبه يتضح الطريق، وتتوجه بوصلة المؤمن دون التفات لفتاتِ الدنيا الزائل.

اللهم اجعلنا ممن يحقق عقيدة اليوم الآخر نية وقولًا وفعلًا وإقبالًا وعزيمة، واجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه، إنك مجيب الدعاء.

للمزيد:
مركزية الآخرة عاصمة قلبك

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة