خلف خطوات الطفولة مشيت “ج6”

خلف خطوات الطفولة مشيت

للبدايات ضريبةٌ باهظة الثمن، ولم يدفعها أحدٌ سوانا.
ولا مفرّ منها؛ إذ لا بدّ من خوضها، سواء كنّا أبطالها، أم جئنا بعد ذلك لنُسطّر ما سطّره الأبطال.

قبل أيام، سمعتُ رنّة هاتف نوكيا قديم…
فانهمرت الكلمات في داخلي، زخّاتٍ إثر زخّات، حتى تكوّن منها سيلٌ جارف في أعماقي.
جرفتني سيوله إلى أول رنّة…
وإلى أول رسالة…
هل تعرفون معنى أن تصلك رسالةٌ مبتورة، ثم يظلّ بقيّة النص معلّق في رأسك؟

من عاشوا زمن الهواتف القديمة يعرفون جيدًا معنى أن تصلهم رسالةٌ ناقصة؛ فتحرمهم النوم، وتتركهم نهبًا لعشرات الاحتمالات… ثم لا يستطيعون حتى السؤال عن بقيتها، لأنهم لا يملكون رصيدًا!

كان للانتظار يومها طعمٌ آخر، وللغموض لذّة، ولعدم المعرفة مساحةٌ واسعة للخيال.
أما الآن، فالترف مملّ…
والتكنولوجيا اليوم صارت مملّة، مبتذلةً من فرط سهولتها.
كان ذلك الهاتف لأخي، وقد كتب رقمه على جدران البيت، بل حتى على جدران الجيران، ووزّع الرقم على جميع الأهل والأقارب، وعلى كل من لديه مغترب، حتى يتمكّن من التواصل مع أهله.

أقف اليوم أمام البيت الذي كان أبعد بيتٍ في قريتنا، فإذا به الآن يتوسّطها.
دعوني أُعيدكم إلى الوراء…
إلى سنواتٍ مضت.
طفلةٌ مع مجموعةٍ من الأطفال يركضون، يحملون معهم أثاث بيت العم ناصر؛ أول بيتٍ يُبنى بناءً جديدًا في قريتنا، بعيدًا عن بيوت الأجداد المشيّدة من اللبن والحجر، وأول بيتٍ يخرج عن ذلك التراصّ العائلي الذي كانت عليه بيوت قريتنا.
وعندها… انفرط عقدُ حبات الجُمان.

لكنّها لم تدعني أُمعن طويلًا في تلك الذكرى، بل جرّتني معها إلى أول رسالةٍ كتبتها في حياتي.
حين طلبت جارتنا من أمي أن أكتب رسالةً لأخيها الجامعي، الذي كان يقيم في المدينة.
لن أخوض في التفاصيل…
فتاةٌ صغيرة، درست في الريف، تخطّ رسالةً لشابٍّ جامعيٍّ في المدينة!
الله وحده يعلم إن كان ذلك الشاب قد استطاع إنقاذ الحروف الغارقة في بحر الإملاء!

أهرب من هذه الذكرى، لأرتطم بذكرى أول يومٍ تعلّمت فيه حقن الإبر.
نظرت إليّ بحزم، وقالت:
«عليكِ أن تتعلّمي حقن الإبر. نحن نعيش في قرية، والنساء عندنا يجدن صعوبةً في الذهاب إلى المستشفيات في المدينة، وأنا سأعود إلى موطني عاجلًا أم آجلًا.»
كانت تلك كلمات الممرضة التي تزوّجت إلى قريتنا.
قبل سنوات، وقبل أن تعود إلى وطنها، وقبل أن تجعل مني ممرضةً ريفية، حمّلتني أمانةً في عنقي؛ أمانةً أحملها معي ليل نهار، وأينما ذهبت.

أُقلّب ناظري في البدايات، فتشدّني أول مرةٍ صنعنا فيها بيتًا من الطين.
كان مسقوفًا، بينما كانت بيوتنا في الريف بلا أسقف؛ أقصد أفنيتها، باستثناء الغرف.
ومن أين جئنا بفكرة الأسقف؟
أظنّ أننا كنّا نسقّف خوفنا، ونستكنّ في ألعابنا من المطر والرياح والشمس… وأشياء أخرى.

تعالوا معي، ولنُعدْ ذكرى أعتقد أن كثيرًا منكم عاشها…
هل تذكرون تلك الليلة التي كانت صبيحتها أول يومٍ لكم في الصف الخامس الابتدائي؟
يوم عرفتم أنكم ستكتبون بقلم الحبر؟
أما أنا، فأول شيءٍ فعلته كان أن وضعت توقيع والدي؛ فلم أكن أُجيد توقيعًا غير توقيعه!

نعم… قبل أن أنسى!
أول دميةٍ صنعتها لم تكن فكرةً مبتكرة؛ فقد سبقتني إليها كثيرات.
كانت مصنوعةً من قصب الذرة؛ نقشّره، ثم نُدخل في وسطه عودًا ليشكّل ذراعين…
لكننا، ولا مرة، ألبسناها لباسًا قصيرًا.
كانت الحشمة ترافقنا منذ الطفولة.
وأظنّكم تعلمون الآن…
من أين يأتي التبرّج؟

وبينما كنت غاضبةً مما يحدث حولي من عُريٍ و… و… و…
ناولتني الطفلة التي بداخلي ذكرى، مصحوبةً بصوت الطموح.
كان الصوت عاليًا جدًا، حتى إن كل تنمّرات الجاهلية لم تستطع إسكاتَه.
هل تعلمون ماذا يعني أن تمسك كتابًا في قريةٍ ريفية، وتُبحر بين سطوره؟
ماذا يعني أن تفتح نافذةً صغيرةً في جدارٍ كبير، فتكتشف أن العالم أوسع بكثيرٍ مما تراه عيناك؟

تلك كانت البدايات…

وبين كل بدايةٍ وأخرى، كانت طفلةٌ صغيرةٌ تكبر، دون أن تدري أنها كانت ترسم طريقها، خطوةً خطوة…

وللحديث بقية.

للمزيد:
حكايات تنبت أثراً
لذَّة المعنى

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة