لا يُحصرنّ الدين في زاوية

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

وقد أبان ابن القيم عن هذه الأمور الأربع: العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر عليه، في قوله في حديثه عن جهاد النفس:

«فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:

  • إحداها: أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
  • الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم إن لم يضرها لم ينفعها.
  • الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.
  • الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله».

وقد وصف الله في سورة الأعراف، الآية 164، مشهدًا من مشاهد قصة أصحاب السبت، الذين انقسموا إلى ثلاث فئات:

فأما فئة فقد عصوا ربهم، والفئة الثانية لم تعصِ الله، لكنها لم تنهَ عن المنكر، وأما الفئة الثالثة فهي التي قامت بالإصلاح والإنكار.

ذكر الله الحوار الذي دار بين الفئة التي لم تنهَ عن المنكر، والفئة التي كانت تنهى عنه، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

أي أن الفئة التي لم تنهَ عن المنكر، بل يئست من صلاح المفسدين، وجّهت خطابًا للمصلحين، واستغربت منهم ما يفعلونه من الوعظ والإرشاد للمفسدين، فردّ المصلحون بقولهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾، أي حتى يكون لهم عذر عند الله، فلا يُسألون عن التقصير في أداء واجب الإنكار.

ثم يقول الله في الآية التي بعدها: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

أي أن الذين نصّ الله على إنجائهم هم الذين كانوا ينهون عن السوء.

إن مجرد قراءة هذه النصوص يبعث في القلب رهبةً ووجلًا، فما بال أقوام من بني جلدتنا يسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى حصر الدين في المساجد، وجعله أمرًا شخصيًا، ويرفعون في كل حدب وصوب شعار: «اتركوا الخلق للخالق»، وغيرها من الشعارات التي يحاول أصحابها بها حصر الدين في زاوية ضيقة تحت سقف، بينما يستحوذون هم على السماء والأرض، ويفعلون ما يشاؤون بحجة أن الوطن للجميع.

بل ويحاولون إقناع العالم بأن هذا هو الدين الحق، وأن التعايش بين الجميع هو الصواب، وقد أخطؤوا في معنى التعايش أصلًا؛ فليس معنى التعايش أن يُسوّى بين الحق والباطل، أو بين الهدى والضلال، والله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.

والتعايش الحق هو اجتماع الناس، مع اختلافهم، على مقتضى العدل والإحسان وحفظ الحقوق، دون أن يقتضي ذلك التنازل عن ثوابت الدين، أو إقرار ما يخالفه، أو تعطيل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة.

ومن أخس حيل هؤلاء لإثبات حجتهم أن يأتوا ببعض المؤثرين في المجتمع ممن يُحسبون من الصالحين، وظاهرهم الالتزام من هيئة وملبس، ولكن محتواهم يختص بأمور من المصالح والعلوم الدنيوية، دون التطرق إلى إنكار ما يرونه من ضلال أو انحراف، فيبرزونهم ويقولون: «انظروا إلى هؤلاء، لقد اجتمع الناس على حبهم، فهم أهل الحق فعلًا؛ لأنهم جعلوا التزامهم بالدين لأنفسهم، ولم يخوضوا فيما لا يعنيهم».

والحقيقة أن اجتماع الناس على حب هؤلاء قد يكون لأسباب أخرى؛ فقد يكونون صالحين في أنفسهم، حسنَي الخلق، محبوبين بين الناس، وهذا أمر مفهوم. لكن المحبة لا تكفي وحدها للحكم على موقف الإنسان من الإصلاح؛ فالعاصي لا يحب عادةً من ينكر عليه معصيته أو يواجهه بها أو يشعره بالذنب، وقد يضيق بالإنكار عليه، بل قد يعادي من ينكر عليه ويحاربه بشتى الطرق.

فالذي لا يُصلح، وإن كان صالحًا في نفسه، يترك الناس على ما هم عليه؛ لا ينكر منكرًا ولا يدعو إلى معروف. أما صاحب الإصلاح، فعادةً ما يمقته فريق ويرضى عنه آخر.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة من شعائر هذه الأمة، وسبب من أسباب خيريتها، إذ يقول الله تعالى:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
لماذا يا رب؟

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
فلا يخدعنَّ أهلَ الإسلام أحدٌ بشعارات براقة تناقض قيم دينهم.

فنحن قوم مرتحلون، وقد جعلوا ظهر سفينةٍ راحلتهم، فلو أتى أحدهم يريد لها ثقبًا هلك وهلكنا جميعًا، فالواجب أن يُنهى عن ذلك، وألا يُترك لهوى نفسه بحجة قوله: «إن السفينة للجميع، وكلٌّ يفعل ما يشاء».

إنما يُفعل ما يصلح السفينة وأهلها، ويوصلهم بأمان إلى وجهتهم، وهذا عين الصواب.

للمزيد:
التطبيع مع المنكر

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة