السُّموُّ الاستثنائي لسلوكيات البِرّ عند السلف رحمهم الله

|

– عبد الله بن عمر:
عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلًا من الأعراب لقيَهُ بطريق مكة، فسلَّم عليه عبدُ الله، وحمَلَه على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمرَ بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إنَّ أبرَّ البر صلةُ الولد أهلَ وُدِّ أبيه”.’¹’

رحمك الله يا بن عمر!
ما أعظم الوفاء الذي يورثه برّ الوالدين؛ فهو لا يقف عند قبريهما، بل يفيض إحسانًا على من أحبّاه!

– عمرو بن ميمون:
قال الحلبي: “حدثني عمرو بن ميمون بن مهران، قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه؛ فاضطجعت له، فمرَّ على ظهري”.’²’

فانظر إلى هذه الصورة الرفيعة من خفض جناح الذل، فحين جاء الأب الذي أرعدت السنون مشيته فما عاد يقوى أن يعبر جدول ماء، تحوَّل الابن إلى جسر يغمر نفسه في الطمي كي يخطو والده فوقه بقدميه.

إيهٍ يا عمرو بن ميمون… اضطجعت في جدول الماء فوق الطين ووالدك يدوسك بقدميه ليعبر الجدول! أكنت يا عمرو بن ميمون أحد أنواع البلاغة البشرية التي يتحدث عنها قول الله: ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ…﴾؟

– عبد الله بن عون:
جاء في ترجمته رحمه الله: “عن عبد الله بن عون أنه نادته أمه فأجابها، فعلا صوتُه صوتَها؛ فأعتق رقبتين”.

لعلك تتذكر الآن أن الله في كتابه جعل عتق الرقبة من الكفارات في المناهي العظيمة، كقتل الخطأ، والظهار، والوطء في نهار رمضان ونحوها، فانظر كيف لما صار صوت ابن عون أعلى من صوت أمه…

وهو إنما رفع صوته ليستجيب لندائها فقط، ولم يكن رفع صوته جدالًا أو معارضةً، ومع ذلك حاسب هذا الإمام العظيم نفسه، وكفّر عن أمر لا يعده أكثر الناس إلا سلوكًا طبيعيًّا، أعتق هذا الإمام رقبتين؛ تكفيرًا عن هذا العمل!

– محمد بن المنكدر:
وقد كان له شقيق اسمه عمر بن المنكدر، ومحمد اشتهر بالعلم والرواية، بينما اشتهر عمر بالعبادة والتنسك، وروى الإمام ابن سعد في طبقاته بإسناده قال: “قال محمد بن المنكدر: بات عمر يصلي، وبتُّ أغْمِزُ رجليّ أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته”.

هذا هو الفقه الدقيق في مراتب الأعمال! فقد بقي الإمام ابن المنكدر عامة ليله يدلّك رجليّ أمه، ويخفف إعياءها، ويطيب خاطرها، ويؤانس وحدتها، ويتقرب إلى الله بذلك.
وأخوه عمر صافٌّ قدميه بين يدي الله يصلي الليل، ومع ذلك ما ترك محمد بن المنكدر رجليّ أمه، بل صرّح أنه يعتقد أن بر الوالدين أجلّ في ميزان الله من التهجد.

——–
‘¹’ صحيح مسلم.
‘²’ حلية الأولياء.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة