تتسارع الأحداث وتطوى السنين وتصدق دائمًا نبوءات النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو المختار من رب البرايا، العالم بكل الخفايا.
لنا وقفة مع حديث من أحاديث آخر الزمان التي تجعل المرء حيران، إلا المتبصر بكتاب الله وسنة رسوله؛ فعنده حبل النجاة المكين. كما قال عليه الصلاة والسلام: “تركتُ فيكم أيُّها الناس، ما إنِ اعتصمتم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه”.
وقفتنا اليوم مع حديث في صحيح البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ -وهو القَتْلُ القَتْلُ- حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ”.
يُخبِرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لا يَأتي يومُ القِيامةُ حتى يُنزَعَ العِلمُ مِن الأرضِ، وقد فُسِّر في بَعضِ الرِّواياتِ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَنزِعُه مِن صُدورِ النَّاسِ، بل يَنزِعُه مِن الأرضِ بمَوتِ العُلماءِ.
ومِن العَلاماتِ كَثرةُ الزَّلازِلِ، فيَكثُرُ تَحرُّكُ الأرضِ واهْتِزازُها، ومِن العَلاماتِ تَقارُبُ الزَّمانِ، فتَقِلُّ بَرَكتُه،
وقيل: قد فُسِّر تَقارُبُ الزَّمانِ في حَديثٍ آخَرَ بحيثُ تكونُ السَّنةُ كالشَّهرِ، والشَّهرُ كالجُمُعةِ، والجُمُعةُ كاليومِ، واليومُ كالسَّاعةِ، والسَّاعةُ كالضَّرَمَةِ بالنَّارِ، والضَّرَمةُ: الوَقتُ المُستَغرَقُ بمِثْلِ ما يُشعَلُ به النَّارُ وانطفائِه، وقيل غيرُ ذلك.
ومِن العَلاماتِ أيضًا ظُهورُ الفِتنِ، فتَكثُرُ، مِثْلُ ظُهورِ فِتْنةِ الدَّجَّالِ وغيرِها.
ومِن العَلاماتِ أيضًا كثْرةُ الهَرْجِ، وفسَّرَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقولِه: «وهو القَتْلُ القَتْلُ»، حيثُ تَكثُرُ استِباحةُ دِماءِ المسلمينَ بَعضِهم لبعضٍ دونَ وَجْهِ حقٍّ،
كما في رِوايةِ ابنِ ماجَهْ مِن حَديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لَيس بقتْلِ المشركينَ، ولكنْ يَقتُلُ بَعضُكم بَعضًا، حتى يَقتُلَ الرجُلُ جارَه، وابنَ عَمِّه، وذا قَرابتِه»؛ فالقتْلُ المقصودُ هنا هو أنْ يَقتُلَ المسلِمونَ بَعضُهم بعضًا دونَ مُراعاةٍ لِحُرمةِ دَمٍ، أو دِينٍ، أو قَرابةٍ.
ومِن العَلاماتِ أيضًا كَثرةُ الأموالِ، فيَعُمُّ الناسَ جميعًا، ويَسْتَغني كلُّ واحدٍ بما يَملِكُه في يَدِه، وقيل: إنَّ إفاضتَه تكونُ في زَمَنِ عيسى ابنِ مَريمَ عليه السَّلامُ بعْدَ قَتْلِه الدَّجالَ.
وفي الحَديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: حَثٌّ على طلَبِ العِلمِ؛ ففي إخبارِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَبْضِ العِلمِ إشارةٌ إلى أنْ نَحذَرَ ونَتدارَكَ هذا الأمرَ، ونَطلُبَ العلمَ؛ حتى لا نَصيرَ لهذه الحالِ.
من المصادر: صحيح البخاري، والدرر السنية.










