أفضل خلق الله بعد الأنبياء: الصحابة -رضوان الله عليهم- ومنهم الصحابي الجليل: مصعب بن عُمير القرشي -رضي الله عنه وأرضاه-، مُستقاة من ترجمته في كتاب (أسد الغابة في معرفةالصحابة، لابن الأثير)، و(الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ ابن حجر).
كان مصعب بن عُمير -رضي الله عنه- من فضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام، أسلم ورسول اللهﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أُمّهِ وقومه. وكان يختلف إلى رسول الله ﷺسرًّا، فبصر به (عثمان بن طلحة) يُصلي، فأعلم أهله وأُمّه، فأخذوه، فحبسوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة وعاد منها إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليُعلِّم الناس القرآن ويُصلي بهم، فكان أول سفير في الإسلام.وقد انتفع بهِ الناس فآمن على يديهِ كثير من كبار الصحابة، كـ: أسيد بن حضير، وسعدبن معاذ، وغيرهما…
ومصعب بن عمير -رضي الله عنه- ممن اشترى الآخرة بالدنيا، وترك النعيم الذي كان يتمتّع به في الدنيا؛ ليحظى بنعيم الآخرة. فقد كان أحسن شباب مكة لباسًا، وأطيَبهم رائحة، وأنعمهم جسمًا، لكنهُ بعد إسلامه تغيّر حاله، حتى قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: (لقد رأيته جهد في الإسلام جهدًا شديدًا، حتى قد رأيتُ جلده يتحشّف كما يتحشّف جلد الحيّة!). وروى الترمذي وغيره عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: (إنّا لجلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد، إذ طلع علينا مصعب بن عمير وما عليهِ إلا بردة مرقومة بفرو، فلما رآه رسول الله ﷺ بكى للذي كان فيهِ من النعمة، والذي هو فيهِ اليوم، ثم قال رسول الله ﷺ:«كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة، ووُضِعَت بين يديهِ صحفة ورُفِعَت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟»، قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذٍ خير منا اليوم، نتفرغ للعبادة، ونكفى المؤنة، فقال رسول الله ﷺ: «أنتم اليوم خير منكم يومئذ».
ومصعب بن عمير -رضي الله عنه- ينبغي أن يكون قدوة لكل شاب مُترف يتقلّب في نعمة الله تعالى، وأرادالرجوع إلى الله، فمصعب باع الدنيا بالآخرة، وآثر النعيم المقيم على النعيم الزائل، فهو ممن يشمله قوله تعالى: ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوااللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلواتَبديلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وفي الصحيحين عن خباب -رضي الله عنه- قال: (هَاجَرْنَا مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-نُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أجْرُنَاعلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَن مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِن أجْرِهِ، منهمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، وتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وإذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فأمَرَنَا النبيُّ-صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ ونَجْعَلَ علَى رِجْلَيْهِ شيئًا مِنَ الإذْخِرِ، ومِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثَمَرَتُهُ، فَهو يَهْدِبُهَا).
هكذا كانت خاتمة هذا الصحابي الجليل:الشهادة في سبيل الله.
نسأل الله تعالى أن يُحيينا حياة السعداء،ويُميتنا موت الشُّهداء، ويرزقنا مُرافقة الأنبياء.










