الحق ينصره الله

|

قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام – ۸۹] هذه الآية ليست مجرد خبرٍ يُتلى، بل هي تسليةٌ ربانية، وتثبيتٌ للقلوب التي تحمل همَّ الحق في زمن الإعراض.

كأن الخطاب هنا يُربّي في قلب المؤمن حقيقةً عظيمة: أن الحق لا يتوقف على قبول الناس، وأن نور الوحي لا ينطفئ بإعراض الجاحدين، ولا يضعف بكثرة المنكرين.

فالدعوة إلى الله ليست رهينة مزاج الجمهور، ولا مربوطة بموافقة الأكثرية، وإنما هي أمانة محفوظة، يسندها الله برجالٍ ونساءٍ اصطفاهم لحملها، إن تخلى عنها قوم، قام بها غيرهم.

في هذه الآية عزاءٌ لكل من حمل كلمة الحق ثم رأى الإعراض، أو دعا إلى الله فلم يجد استجابة، أو بذل النصيحة فقوبل بالتجاهل أو الجحود. لا تُقاس قيمة ما تحمل بكثرة من يلتف حولك، بل بصدق ما تحمله من حق، وبأن الله تبارك وتعالى هو الذي يتكفل بحفظ دينه، وإقامة حجته.

  • تأمل: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾، لم يقل سبحانه وتعالى: “سيأتي قوم”، بل أسند الأمر إلى نفسه سبحانه، وكأن القلوب التي تعمر بالإيمان، وتثبت على التوحيد، ليست مجرد اختيارات بشرية، بل هي اصطفاء وتوفيق وتسخير من الله عز وجل. وهؤلاء القوم وصفهم الله تبارك وتعالى بأنهم ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، أي أن الإيمان عندهم ليس عارضًا، ولا مظهراً اجتماعيًّا، بل هو يقين راسخ، لا يتزعزع عند الشبهات، ولا يتبدل عند الفتن.

وهنا يلوح في الأفق معنى عميق: أن الله تبارك وتعالى لا يترك دينه معلقًا على قلوب متقلبة، بل يجعل له حملةً أوفياء، قلوبهم مخلصة، ونياتهم صادقة، وثباتهم ممتد، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ما داموا مع الله سبحانه وتعالى.

ففي الآية دعوة للثبات، وتحرير للقلب من التعلق بالنتائج، وتربية على العمل لله وحده، دون التفاتٍ إلى كثرة أو قلة، قبول أو رفض.

فمن أراد طريق الدعوة فليعلم أن مهمته البلاغ، وأن الله تبارك وتعالى هو الذي يتولى الهداية ويهيئ لها من يشاء.

  • وفيها أيضًا رسالة طمأنينة: إن ضاق بك الناس، فالله سبحانه وتعالى واسع، وإن أعرض عنك القريب، فهناك قلوب في الأرض لم تُعرض، وإن خذل قومٌ، فقومٌ آخرون سيحملون الراية بإيمانٍ لا يتزعزع. فالحق لا يُهزم، لأن الذي تكفّل به لا يُغلب.

فاثبت على ما أنت عليه من الحق، وامضِ في طريقك بإخلاص، ولا تجعل وزن دعوتك مرهونًا بردود الناس. يكفيك أنك في طريقٍ قال الله تبارك وتعالى عنها إنه وكّل بها قومًا ليسوا بها بكافرين.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة