قد ذكرنا في الجزء السابق همسات ترقق قلب متابع الأنمي واليوم نستكمل معكم تلك الهمسات:
الهمسة الأولى:

ألا تغضب؟!
أيها المتقفي لآثارهم:
ألا تغضب لكلام ربك من عبث هؤلاء الكافرين؟
إنهم لا يرون لمقدساتك قيمة، وأنت لاهث وراء فجورهم، تشهرهم وتزدهم في غيهم وعماهم!
ألا نرىٰ منك رجعةً، وإصلاحًا، ومقاطعةً لهم، غضبةً لكتاب ربك؟
ينبغي على كل مسلم أن يهبّ لفضح هؤلاء، والتشنيع عليهم، أنكر المنكر، وانشر دعوات المقاطعة.
لا نقبل اعتذارهم ولا تبرير أفعالهم.
الهمسة الثانية:
لا تألف المعصية
كثرة المساس تُفقد الإحساس، دائما يوجد من يقول: نحن نشاهد هذه الأعمال التي فيها مخالفات نعم؛ لكننا ننكر مثل هذه التصرفات ولا نقرهم عليها. اسألوا أنفسكم سؤالا: هل تستطيعون إنكار كل مشهد مخالف للإسلام في العمل الذي تشاهدونه؟ هذا مستحيل، لأنه بهذا ستقتل المتعة، ولن يكون لدى الإنسان رغبة في إكمال المشاهدة إذا كنت سأنكر في كل مشهد، فاحفظ قلبك وأنقذ نفسك وإياك وأن تألف المعصية.
الهمسة الثالثة:
أفق من غفلتك.. ألا ترى أمتك؟
إلى متى تستمر بتضييع أوقاتك على الأنمي والمسلسلات والمعاصي.. إلى متى تضيّع أثمن أيام عمرك بكل ما من شأنه أن يقتل همتك وعزيمتك ويجعلك مجرد مستهلك؟
ألا ترى أبناء أمتك يُقتّلون؟ ألا ترى الأعداء كلهم اجتمعوا على هدم الإسلام وثوابته وقتل أبنائه وتشريدهم؟
أعدّ جوابا ليوم القيامة.. حين تُسأل عن ماذا كنت تفعل في هذه الأيام العصيبة؟ ماذا كنت تفعل وأنت ترى إخوتك وأخواتك تكالب عليهم أعداء الإسلام؟ هل ستجيب: “كنت أشاهد الأنمي وأقرأ المانجا وألهو على مواقع التواصل؟”
الهمسة الرابعة:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾
أي: كل صداقة وصحابة لغير اللَّه فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان للَّه ﷻ فإنه دائم بدوامه.
تفسير ابن كثير | (324/12)
ذكرتنا الآية بنوع من الخلّة والتعلق الغريب
يحسبون أنهم سيرون أخلائهم الوهميين في الجنة، فيستفتون في ذلك!
مشكلتها في التعلق الباطل بالصورة والوهم، إذ اجتهدت في العبادة لتطلب رؤية “وهم” صنع بأيدي كفرة وملحدين، يبثون من خلاله الكفر والأغاليط.
فأصبح عندنا متابع أنمي مهووس، شغل نفسه وقلبه بالباطل
فلا عرف قيمة الجنة ولا أدرك خطورة الكفر، ولا قدر الله حق قدره.
فانظر مكر الشيطان، وخطورة التعلق بالصورة، والغبن في الآخرة!
بالحانب الآخر رفقة السوء على أرض الواقع:
تخيل معي أن: كل خلّة وصحبة تنقلب عداوة إذا ما كانت لله؟
صديقك المقرب الذي يدعوك للأنمي والمسلسلات والتفاهات
صديقك الذي يدعوك لاتخاذ الخدن المحرم
حتى صديقك الوهمي في الأنمي!
حال يرثى لها بصراحة!
الهمسة الخامسة:
هل تعلم ماهو القلب الميت؟!
” هو القلب الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبًّا، وخوفاً، ورجاءً، ورضاً وسخطاً، وتعظيماً، وذلاً.
إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه.
فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى اللّٰه وإلى الدار الآخرة من كان بعيد، ولا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:
عدو لمن عادت، وسلم لأهلها .. ومن قربت ليلى أحب وأقربا
فمخالطة صاحب هذا القلب سقم، ومعاشرته سقم، ومجالسته هلاك. ” (١)
الهمسة السادسة:
” من مواعظ حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-: «إنَّ الحقَّ ثقيلٌ، وهو مع ثقله مريءٌ، وإنَّ الباطل خفيفٌ، وهو مع خفَّته وبيءٌ، وترك الخطيئة أيسر -أو قال: خيرٌ- من طلب التوبة، وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا».
تضمَّنت هذه الموعظة جملتين مهمَّتين: الأولى: وصف فيها الحقَّ والباطل؛ فقال: «إنَّ الحقَّ ثقيلٌ، وهو مع ثقله مريءٌ»
ومراده بالثِّقل هو ثقل التحمُّل، وثقل العبْء الذي يترتَّب علىٰ حمله، كما قال -سبحانه وتعالىٰ-: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]
وكما أشارت إليه آية الأمانة في خواتيم سورة الأحزاب: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]
ومع كون الحقِّ ثقيلًا، فإنَّه مريءٌ؛ أي: سهل التقبُّل؛ لأنَّ الحقَّ موافقٌ للفطر السليمة، بخلاف الباطل، فإنَّه خفيفٌ؛ لموافقته لغالب الأهواء والشهوات، فتنقاد معه، وتستسلم له؛ ولهذا تجود النفوس في هذا السبيل بالأموال والجهود، لكن مع ذلك فهو وبيءٌ وخطير العاقبة، وهكذا هي حال المحرَّمات كلِّها؛ يتعاطاها أهلها لذَّةً عابرةً، ثمَّ
تعقبها حسراتٌ لا يعلمها إلا الله.
يقول ابن القيِّم رحمه الله: “فالمعرض عن الله له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعَّم في الدُّنيا بأصناف النِّعم، ففي قلبه من الوحشة والذُّلِّ والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأمانيِّ الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنَّما يواريه عنه سكرات الشهوات، والعشق، وحبِّ الدُّنيا، والرِّياسة”.
والجملة الثانية التي تضمَّنتها موعظة حذيفة -رضي الله عنه-: “وترك الخطيئة أيسر -أو قال: خيرٌ- من طلب التوبة، وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا»، وصدق -رضي الله عنه-؛ فإنَّ ترك المعصية وإن كان فيه ثقلٌ، إلا أنَّه أيسر من طلب التوبة؛ إذ قد لا يدركها العبد، ولو أدركها زمانًا، فقد لا يوفَّق لها؛ عقوبةً له على تقحُّم الحِمَىٰ.
ولهذا قال -رضي الله عنه-:” وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا”؛ ذلك أنَّ اللذَّة في المعصية -مهما طال زمنها- فما تورثه من حزن أطول وأشقُّ، ومن تأمَّل في آثار معصية إطلاق النظر المحرَّم، أدرك معنىٰ هذه الحقيقة التي أشار إليها حذيفة -رضي الله عنه-: “فالنظرة تجرح القلب جُرحًا، فيتبعها جُرحٌ علىٰ جُرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، وقد قيل: إنَّ حبس اللحظات، أيسر من دوام الحسرات”
وبالجملة، فإنَّ ألم الصبر علىٰ ترك المعصية أقلُّ وأيسر من آلام وحسرات الآثار التي يجدها العاصي بعد ذلك، والتي لو لم يكن منها إلا أنَّها تضعف وتوهن سير القلب إلىٰ الله، والوحشة العظيمة التي تقع في قلب العاصي، لكفىٰ بهما مصيبةً، فإن لم يشعر العاصي بهاتين العقوبتين؛ فليبحث عن قلبه؛ فليس له قلبٌ! ” (٢)
للمزيد يُقرأ الجزء الأول ، من هنا…
المصادر
(١) ابن القيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
(٢) كتاب مواعظ الصحابة -رضي الله عنهم- لعمر مقبل فرج الله عنه.










