وصايا للثبات في شهر رمضان

|

يأتي شهرُ رمضان محمَّلًا بالنفحات المباركة، موقِظًا للقلوب من غفلتها، داعيًا الأرواح إلى القرب من الله عزَّ وجل. يأتي ليُنقِّي القلوب من أدران الدنيا، ويُزكِّي النفوس من آفاتها، ويعيد ترتيب الأولويات، حتى يكون الشعار الصادق فيه: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.

والثبات في رمضان نعمة عظيمة، لا يُوفَّق إليها إلا من صدق مع الله، واستعان به، وأخذ بالأسباب. فكثيرون يستقبلون الشهر بحماسةٍ صادقة، ثم لا يلبث أن يخبو العزم، ويضعف الإقبال، ولا يبقى على الطريق إلا من ثبَّتهم الله. ومن أجل ذلك، كانت هذه الوصايا تذكرةً تعين القلب على الاستقامة، وتحفظ أثر رمضان في النفس.

الوصيَّة الأولى: إخلاصُ النيَّة لله تعالى

الدخول إلى رمضان ينبغي أن يكون بتجديد النيَّة، واستحضار القصد، وإصلاح القلب قبل العمل. فليكن دخولك دخولَ محبٍّ مشتاقٍ لحبيبه، لا دخولَ عادةٍ تتكرَّر كل عام. اجعل صيامك وقيامك وقراءتك للقرآن خالصةً لله وحده، لا لمدح الناس، ولا لمجرد موافقة من حولك، ولا للمسارعة من يختم أكثر. فالإخلاص هو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال، وهو سرّ القبول والثبات، وكلما أحسست بضعفٍ أو فتور؛ جدّدْ نيَّتك، فإن الله لا يملّ حتى تملّ القلوب.

الوصيَّة الثانية: صدقُ الالتجاء إلى الله وكثرةُ الاستعانة به

الثبات في الطاعة ليس ثمرةَ القوَّة وحدها، ولا وليدَ الحماسة العابرة، ولا نتيجةَ العزم المجرَّد عن التوفيق، وإنما هو أوّلًا وآخرًا فضلٌ من الله، ومنحةٌ يختصّ بها من شاء من عباده. فكم من قويٍّ ضعُف، وكم من صاحب هِمَّةٍ فتر، وكم من مُقبِلٍ أدبر، وما ذاك إلا حين أُوكِل العبد إلى نفسه، وحُجِب عن معونة ربّه. ولذلك كان صدقُ الالتجاء إلى الله وكثرةُ الاستعانة به من أعظم أسباب الثبات وأوثقها.

فليكن العبد في رمضان كثيرَ الدعاء، دائمَ الضراعة، حاضرَ القلب بين يدي ربّه، معترفًا بضعفه وعجزه، مستشعرًا فقره وحاجته، يردِّد بلسانٍ خاشع وقلبٍ منكسر: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. فإن الدعاء بابٌ عظيم، لا يُغلق دون من صدق طرقه، ولا يُخيِّب الله عبدًا رفع إليه حاجته، وأظهر افتقاره، واعترف بتقصيره.

وإذا طرق الفتور باب القلب، أو ثقلَت الطاعة على النفس، أو ضعفت الهمَّة بعد نشاط، فلا يكن ذلك سببًا للقنوط أو التراجع، بل ليكن دافعًا لمزيدٍ من الالتجاء والانكسار بين يدي الله؛ فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، ولا يملك تثبيتها إلا هو سبحانه. ومن عرف ربَّه حقّ المعرفة، علم أن القوَّة كلَّها منه، وأن العون بيده، وأن الثبات لا يُطلب إلا من بابه.

وممّا يغفل عنه كثيرٌ من الناس أن الاستعانة بالله ليست مجرَّد ألفاظ تُقال، ولا أدعية تُردَّد بغير حضور قلب، ولا بحثًا عن صيغٍ محفوظة تُتلى على الألسنة فحسب، بل حقيقتها إقبالٌ صادق على الله، ويقينٌ راسخ بوعده، وحسنُ ظنٍّ به سبحانه، مع صدق التوكُّل عليه، والأخذ بالأسباب التي شرعها. فمن جمع بين صدق الاعتماد على الله وبذل الجهد في الطاعة، لم يخيّبه الله، ولم يتركه لنفسه، بل أعانه وسدّده ووفّقه.

وقد لخَّص النبي ﷺ هذا المنهج العظيم في كلماته الجامعة حين قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». فأمر ﷺ بالحرص على العمل الصالح، ودلّ على ضرورة الاستعانة بالله في كل شأن، ونهى عن العجز والكسل؛ لأن العبد لا يُطالَب بالتواكُل، ولا يُؤذَن له بالاتكال، وإنما يُؤمَر بالسعي، مع دوام اللجوء إلى الله، واستمداد العون منه في كل خطوة.

فمن صدق في التوجّه إلى الله، وأحسن الظنّ به، وداوم على طرق بابه؛ فتح الله له أبواب التوفيق، وربط على قلبه، وثبَّته في مواطن الفتور، وجعل له من الضعف قوَّة، ومن الانكسار رفعة، ومن الدعاء نورًا يهديه سواء السبيل.

الوصيَّة الثالثة: الإكثارُ من النوافل مع إحكام الفرائض

رمضان شهرُ الإقبال، وموسمُ الزيادة، وميدانُ المسابقة إلى الخيرات، وقد شُرعت فيه النوافل لتكون سلّمًا لرفعة الدرجات، وزيادةً في القرب من الله تعالى، وجبرًا لما يقع في الفرائض من نقصٍ أو تقصير. وليس المقصود من هذا الشهر الاقتصار على الحدّ الأدنى من الطاعة، بل المقصود تعمير الأوقات بالعبادة، وإحياء الليالي بالقيام، وإدمان القربات التي تُلين القلوب وتُزكّي النفوس.

غير أن الإكثار من النوافل لا يؤتي ثماره، ولا يُثمر ثباتًا حقيقيًّا إلا إذا بُني على أساسٍ متين، من المحافظة على الفرائض وتعظيمها.

فالفرائض هي الباب، والنوافل هي السُّلم، ولا يُرتَقى بالسُّلم قبل الدخول من الباب. فإذا أُقيمت الفرائض حقّ الإقامة، وانضبطت الأوقات، واستقامت الجوارح؛ كانت النوافل نورًا على نور، وزيادة خير، وسببًا في دوام القرب.

وفي رمضان تتأكّد النوافل وتتنوع، من قيام الليل، وقراءة القرآن، وكثرة الذكر، والصدقة، وإطعام الطعام، والإحسان إلى الخلق.

وكلما أكثر العبد من هذه القُربات بقلبٍ حاضر، ونيّةٍ صادقة؛ ازداد أنسًا بالله، وقوّةً في الإيمان، وثباتًا على الطريق. فالنوافل تُحيي القلب، وتربطه بالله، وتجعل الطاعة لذّة لا تكليفًا، وقربًا لا عادة.

غير أن الحكمة كلّ الحكمة أن يكون هذا الإكثار منضبطًا بالاعتدال، بعيدًا عن التكلف والمغالاة؛ فيأخذ العبد من العبادة ما يُحيي قلبه ولا يُنهك بدنه، وما يُداوم عليه ولا ينقطع عنه. فالقليل الدائم خيرٌ من الكثير المنقطع، وأحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، فإذا ذاق القلب حلاوة العبادة، سهل عليه الثبات بعد رمضان، واستمر أثر الشهر في حياته.

فليكن همُّ العبد في هذا الشهر المبارك أن يزداد قربًا من الله، ويكثر من النوافل، ويغتنم كل لحظة، مع حفظ الفرائض وتعظيمها؛ ليخرج من رمضان بقلبٍ حيّ، ونفسٍ مطمئنّة، وخطىً ثابتة على طريق الطاعة.

الوصيَّة الرابعة: الثباتُ على الورد القرآني ومداومةُ التلاوة

القرآن هو روح رمضان، ونبض أيامه ولياليه، ومن فقد صلته بالقرآن فقد أعظم أسباب الثبات في هذا الشهر المبارك. وليس المقصود من التلاوة كثرتها فحسب، بل دوامها واستمرارها، فإن القليل الدائم مع حضور القلب، أنفع للقلب وأثبت أثرًا من الكثير المنقطع. ومن هنا كان الثبات على وردٍ قرآنيٍّ مُحدَّدٍ من أعظم ما يُعين العبد على الاستقامة، ويحفظ حرارة الإقبال من الفتور.

وأوّل طريق الثبات أن يجعل العبد لنفسه وردًا واضحًا لا يتذبذب مع المزاج، ولا يُؤجَّل مع الانشغال؛ وردًا مرتبطًا بوقتٍ ثابت من اليوم، يُؤدَّى في ساعة صفاء، بعد الفجر وساعاتِ البكور، أو بين أذانٍ وإقامة، أو في هدوء الليل؛ فإن للوقت أثرًا عظيمًا في ترسيخ العادة واستدامة العمل. فإذا ارتبط القرآن بوقتٍ معلوم، صار جزءًا من نظام الحياة، لا عملًا طارئًا يُترك عند أول عارض.

ومن أسباب الثبات كذلك:
التدرّج وعدم التكلف؛ فلا يبدأ العبد بما لا يطيق، فيثقل عليه، ثم ينقطع. بل يبدأ بما يسهل عليه المداومة، ولو صفحة واحدة بتدبّر وخشوع، ثم يزيد شيئًا فشيئًا. فالقرآن لا يُؤتى دفعةً واحدة، وإنما يُؤتى بالصحبة والملازمة، ومن لزم الباب فُتح له.

كما أن حضور القلب أثناء التلاوة من أعظم أسباب الثبات؛ فالتلاوة التي تُحرّك القلب، وتوقظ الإيمان، وتُشعر العبد بخطاب الله له، هي التي يُشتاق إليها وتُطلب، أما التلاوة السريعة الخالية من التدبّر فسرعان ما تُستثقل. فليحرص القارئ على فهم المعاني، واستحضار أن الله يخاطبه، ويهديه، ويُزكّي قلبه بكلامه.

وممّا يُعين على المداومة أيضًا:
التنويع في القُربات المرتبطة بالقرآن؛ فيجمع العبد بين التلاوة، والتدبّر، والحفظ، وسماع التلاوة، وربط الآيات بالواقع والعمل.

ولا يُغفل العبد الاستعانة بالله والدعاء بالثبات؛ فإن القلوب بيده سبحانه وتعالى. ومن أعظم الدعاء: اللهم اجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي.

فمن صدق في طلب العون، وألحّ على الله، فتح له أبواب الأنس بكلامه، وجعل القرآن له أنيسًا لا يملّ صحبته. فإذا ثبَت العبد على ورده القرآني في رمضان؛ خرج من الشهر وقد تأسّست في قلبه عادة مباركة، وصِلة لا تنقطع، ونور يهديه بعد رمضان كما هداه فيه، وذلك من أعظم ثمرات هذا الشهر المُبارك.

الوصيَّة الخامسة: ملازمةُ الذِّكر وإحياءُ القلب به

الذِّكر هو حياة القلوب، وزادُ السائرين، وعصمةُ العبد من الغفلة والفتور. وما من عملٍ أيسر على الجوارح وأعظم أثرًا في تثبيت الإيمان من دوام الذِّكر واستحضار اسم الله في كل حال. فبالذِّكر تطمئن القلوب، وتلين النفوس، وتُجبر مواطن الضعف، ويستمدّ العبد من ربه قوّةً على الطاعة والثبات.

فالصُّوَّامُ ليسوا سواءً في الأجر؛ بل يتفاوتون، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: “أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا” الحديث.

فيتفاوت أهل الصيام في الأجر بحسب حظهم من ذكر الله؛ لأن الصيام، والصلاة، والحج، وعموم الطاعات، إنما شُرِعت لإقامة ذكر الله. أفيستوي في أجر الصيام الذاكر والغافل؟ أيكون أجرهما سواء؟ لا والله، بينهما بَونٌ شاسع.

قال ابن القيم رحمه الله: “أفضل أهل كلِّ عملٍ أكثرهم فيه ذكرًا لله عز وجل”.

وليست العبرة بكثرة الألفاظ بقدر ما هي بحضور القلب، واستدامة الذِّكر في اليوم والليلة، أذكار الصباح والمساء، وأذكار ما بعد الصلوات، وتسبيح واستغفار يجري على اللسان ويُوقظ القلب. فمن عوّد نفسه الذِّكر في أوقات النشاط؛ أعانه الله عليه في أوقات الفتور، وكان الذِّكر له حصنًا من الشيطان، ورباطًا للقلب على طريق الاستقامة.

وممّا يُعين على ملازمة الذِّكر ربطه بالعادات اليومية؛ فيذكر العبد ربّه في طريقه، وفي عمله، وعند نومه ويقظته؛ حتى يصير الذِّكر أنسًا لا تكلُّفًا، وقُربًا لا مشقّة. فإذا امتلأ القلب بذكر اللهِ ضاقت فيه مساحةُ الغفلة، وخفَّت وطأة الشهوات، وسهلت الطاعة، وثبت العبد على الخير.

الوصيَّة السادسة: قيام الليل ولو بالقليل

قيام الليل شرف المؤمن، ومدرسة الإخلاص، وموطن الأنس بالله بعيدًا عن أعين الخلق. وهو من أعظم أسباب الثبات، وأقرب الأعمال إلى تزكية النفس وربط القلب بالله. وليس المقصود منه الإكثار المُرهِق، ولا تحميل النفس ما لا تطيق، وإنما المقصود دوام الصلة، ولو بركعتين صادقتين في جوف الليل.

فليجعل العبد لنفسه نصيبًا من قيام الليل في رمضان، ولو بعد صلاة التراويح، أو قبل الفجر بيسير، يناجي ربّه، ويقرأ ما تيسّر من القرآن، ويسأله الثبات والقبول. فإن لحظات السحر لحظات صفاء، تُجاب فيها الدعوات، وتُغفر فيها الزلّات، ويُربط فيها على القلوب.

ومن ذاق لذّة القيام، ولو مرة؛ هان عليه التعب، وسهل عليه الثبات، لأن القلب إذا عرف طريق الخلوة مع الله اشتاق إليها، ولم يرضَ عنها بديلًا. وقيام الليل ليس بكثرة القراءة، وإنما بحضور القلب، وصدق المناجاة، وانكسار العبد بين يدي ربّه.

رمضان ليس أيامًا تُعدّ، ولا ليالٍ تُقضى، وإنما هو محطة تغيير، وموسم تزكية، وفرصة لمن أراد الله والدار الآخرة. والثبات فيه نعمة، والقبول أعظم، ولا يُنال ذلك إلا بصدق النيّة، وكثرة الالتجاء، وإحياء القلب بالطاعة، ومداومة الذكر، وصحبة القرآن، والقيام بين يدي الله في الخلوات.

فمن خرج من رمضان وقد تغيّر قلبه، واستقامت جوارحه، وثبت على طاعةٍ لم يكن عليها من قبل؛ فقد فاز وربح، ولو قلّ عمله.

نسأل الله أن يجعلنا من الثابتين في رمضان، المقبولين بعده، وأن لا يجعل حظّنا منه الجوع والعطش، بل القرب والأنس والرضا.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة