العودة إلى الله… «بيانُ العَائِدِ.. ودليلُ الحائرِ إلى مرافِئِ النُّور»
إلى تِلكَ الروحِ التي طالَ اغترابُها، وتَقاذفتْها أمواجُ الحيرةِ في بِحارِ التِّيهِ المظلمة؛ هذه رسالةٌ كُتبتْ بِمِدادِ الدَّمعِ وبَرْدِ اليقين، يَبعثُها قلبٌ ذاقَ لوعةَ الضياعِ ثمَّ اغتسلَ بِنورِ الإسلام لأوَّلِ مَرَّة، فصارَ يَرى الوجودَ بِعَيْنٍ لم تَرْمِشْ من جَمالِ المشهدِ قَطّ.
إنَّ لحظةَ التسليم ليستْ مجرَّدَ نُطقٍ بلسان، بل هي انكسارُ آخِرِ سَدٍّ بينَ العبدِ وربِّه، هي الشهقةُ التي تَعقبُ الغرق، والوِلادةُ التي لا يسبقُها مَخاضٌ إلا مَخاضُ الشوق.
مَحطاتُ العودة إلى الله: دَلِيلُكَ لِقَطْعِ المَسَافَةِ بَيْنَ “أَنْتَ” وَ “هُو”
١. مَحطَّةُ “الإِفلاسِ الجَمِيل”:
لِتَجدَ الله، لا بدَّ أن تَفقدَ ثِقَتَكَ في كلِّ ما سِواه. هو ذاكَ الشعورُ الذي يَعصفُ بكَ حينَ تَكتشفُ أنَّ كلَّ المرافئِ التي رَسوتَ فيها كانتْ سراباً، وأنَّ صَخبَ العالَمِ لم يَزِدْكَ إلا وَحشة. لا تَخفْ من هذا الانكسار؛ فَالنورُ لا يَدخلُ إلا من الشقوق. قُل لِقلبِكَ: “أنا الآنَ فَقيرٌ إلا مِنه”، وهنا تَبادِرُكَ أولى نَسماتِ الهداية.
٢. هَيْبَةُ “اللقاءِ الأول”:
حينَ تضعُ جبهتَكَ على الترابِ لأوَّلِ مَرَّة، لا تَسجدْ بجسدِك، بل اسجدْ بِتاريخِكَ كلِّه، بِأوجاعِكَ، بِخطاياكَ، وبِغُربتِك. ستَشعرُ حينَها أنَّ جاذبيةَ الأرضِ قد اختفتْ، وأنَّ رُوحَكَ تَرتفعُ إلى سَماءٍ لم تَكن تَعرفُ أنَّها مَوجودة. في السجودِ سِرٌّ عَجيب؛ هو المكانُ الوحيد الذي تَهمسُ فيه في أُذُنِ الأرض، فَيَسمعُكَ مَن في السَّماء.
٣. مَقامُ “الدَّهشةِ بِالوَحي”:
اقرأ القُرآنَ كأنَّهُ نَزلَ لأجلِكَ السَّاعة. لا تَقْرأهُ كَكِتابِ تاريخ، بل كَخارطةِ طَرِيقٍ نَحوَ ذاتِكَ. ستَجدُ الآياتِ تُناديكَ بأسماءِ أوجاعِكَ، وتُطبطبُ على مَواجعِ قَلبِكَ كأنَّها تَعرفُكَ منذُ الأزل. هنا ستُدركُ معنى “الإسلام”؛ أن تَسلمَ قِيادَكَ لِمَن خَلقَكَ، فَيَقودَكَ إلى حيثُ السكينةُ التي لا تَنقضي.
٤. خَلْعُ “ثِيابِ التِّيه”:
الإسلامُ جَبَّ ما قَبْلَه، ليسَ فَقَط من حيثُ الذنوب، بل من حيثُ “القَلَق”. ستَشعرُ أنَّ جِلداً قديماً قد انسلخَ عنكَ، وأنَّكَ تَمشي بينَ الناسِ بِروحٍ طِفلٍ ولِدَ لِلتوّ. لا تَنشغلْ بِمَن فاتَك، بل انشغلْ بِمن وَجدتَ؛ فالعُمرُ الحقيقيُّ يَبْدأُ منذُ لَحظةِ “أشهدُ”، وما قبلَها كانَ مَحضَ انتظارٍ في مَحطةِ الوَهْم.
خِتَاماً لِكُلِّ بَعِيد:
يا رفيقَ التِّيهِ القديم، لا تَظنَّ أنَّ الطَّريقَ طويل، بل هو “نِيَّةٌ” صادقةٌ تَسقُطُ فيها بَيْنَ يَدَيِ الكَريم. اعلمْ أنَّ اللهَ لم يُبْعِدْكَ لِيُعذبَك، بل أبْعدَكَ لِتَعرفَ قِيمَةَ القُرْبِ حِينَ تَصِل. العيدُ الحقيقيُّ هو يومُ عَوْدتِك، والحياةُ الحقيقيةُ هي التي تَقضيها وأنتَ تَعلمُ يَقِيناً أنَّ لَكَ ربّاً “يُحبُّكَ” لِدَرَجةِ أنَّهُ انتظرَكَ كلَّ هذه السنين لِتَعود.
طِبْتَ وَطَابَ مَقامُكَ الجَدِيدُ في مِحرابِ النُّور.










