النجاة!

|

حبيبتي نون، يا حبيبتي نون، عسى عيدكِ كان سعيدًا، وإن تأخَّر عنكِ وصول البريد.

إن لم تكن لمثلكِ النجاة حقًّا، فلمن تكون؟ وإن لم تكن النجاة للمحاولين الساعين العاثرين، لأبناء الطريق؟

حبيبتي نون، ينسى الواحد منَّا أحيانًا في أي دارٍ هو يكون، لذا فمفهوم النجاة عنده غير منضبط.

وعلى كلٍّ، آلمني ما وقع عليكِ، وسرَّني أنكِ تحاولين القيام بعده.

أن ينجو يعني أن يصل إلى آخر النفق، وأن يرى ضوءًا حقًّا يلوح له، فيرقص شراع سفينته طربًا بالوصول، فينتهي كل عنائه دفعةً واحدة، كما لو لم يكن بعد سنين طويلة. هذا ما يرجوه الغالب، وهذا ما يُمَنِّي به نفسه الجميع.

ولِمَ يودُّ الإنسان النجاة؟ أليس ليتخلَّص من كل ألمٍ يؤلمه، وجرحٍ يقيِّده؟

وماذا لو قلتُ لكِ: ليس للنفق آخرٌ أو ضوءٌ تراه العين، وأنَّ النجاة الحقيقية حقًّا يوم تطأ قدماكِ الاثنتان الجنان؟
وأنه حتى ذلك الحين ينجو المرء، وألمه قابعٌ بين جنبيه.
ينجو بمحاولاته الحثيثة والعديدة.

وينجو في كل مرةٍ كان فيها درعًا حصينًا لقلبه من أن تسلبه الحياة منه.

وينجو عندما يترفَّع عن كل ما يسحب روحه إلى أسفل، بدلًا من أن تحلِّق في السماء.

وينجو المرء حقًّا عندما لا يترقَّب الوصول.

وينجو عندما لا يقف، رغم ما به من جراحٍ وآلام، يعيش معها دون أن يسمح لها أن تبتلعه.

وقد لا تكون النجاة أن نغادر الألم، بل أن نتعلَّم كيف نسير به دون أن يسير بنا.

ولعلَّ الظلمات التي نظنُّها سجنًا، ليست إلا رحمًا آخر يولد فيه القلب من جديد.

فعندما يستريح على جانبي الطريق، بدلًا من أن يكون شغله الشاغل: متى سأصل؟ يكون: ماذا يمكن أن أترك لمن بعدي هنا؟ فيزرع البذرة ويمضي، وقد خلَّف النجاة.

ولو أنه نظر في قلبه لوجد ضوءًا آنسه عن التلهُّف لضوء آخر في نهاية النفق.

النجاة حقًّا يا نون تكمن فينا ومنا.

تكمن في نظرتنا للأمور، وتقبُّلنا لما هو مفروض، والسعي إلى معايشته؛ لأنه قدرٌ مقدور.

فصحيح أنَّكِ قد لا تملكين نزع آلامكِ وجراحكِ ورميها إلى أقصى مكان تطاله يداكِ خشية أن تعود مرَّةً أخرى.

لكن بإمكانكِ أن تطببيها كلَّ يوم، وتواسيها في كلِّ حين، وتتصبَّري عليها في الليل البهيم، وتتزوَّدي منها بالوقود.

أول ما راودني وأنا أقرأ كلماتكِ وظلماتكِ بعين قلبي: ظلمة يونس عليه السلام!

ظلمة ليله وبحره وحوته؛ ظلماتٌ هي في قوانين الطبيعة التي يراها البشر لا يُتصوَّر منها مخرج.

ولكنه نجا.
ولكن كيف نجا يا نون؟

نجاة

هنا الدرس حقًّا.
﴿فلولا أنَّه كان من المسبِّحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾.
لا تتركيه.

وكيف أيضًا؟
﴿ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾.
هذا الذكر يجمع من العبودية ما يعجز عنه كثير من الكلام.

حبيبتي نون، للنفق ضوء حقًّا، قد لا تبصرينه لأن قلبكِ مشغول بآخره، ومحجوب أحيانًا بثقل الترقُّب نفسه.
وكلُّ نهايةٍ هي بداية لطريقٍ آخر، وأشياء أخرى.

وأكرِّر عليكِ أن نجاتكِ في محاولاتكِ، وإن كانت عرجاء.

وعليكِ منِّي السلام، ومن الله الشفاء والتمام.

للمزيد:
أقم نفسك على اليقين!
عوض الله… ليس شرطاً أن يكون هنا

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة