الرقية الشرعية!

|

الرقية الشرعية بين الحقيقة والضلال
حين يصبح الخوف من المرض أعظم من الخوف من الانحراف عن الوحي

ما من مبتلى إلا ويعرف قسوة الألم حين يطول، ولا يعرف أحدٌ مقدار حاجة المريض إلى الفرج إلا من ذاق مرارة البلاء. ولكن السؤال الذي ينبغي أن يهز القلوب: ماذا لو كان الشيطان قد عجز عن إفساد عقيدتك في زمن العافية، فجاءك من باب البلاء؟ وماذا لو علمت أن المرض الذي تخافه أهون من انحرافٍ في التوحيد أو الاتباع؟

إن كثيرًا من الناس إذا أصابهم المرض أو العين أو السحر اضطربت قلوبهم، وتعلقت بكل سبب، وأصغت لكل ناعق، وفتحت أبوابها لكل مدعٍ. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: هل ستبقى عبدًا للوحي أم ستصبح عبدًا للخوف؟

لقد أكمل الله جل جلاله هذا الدين قبل أن نموت بأربعة عشر قرنًا، وأتم النعمة، وبيّن لعباده سبيل النجاة بيانًا لا يحتاج معه المؤمن إلى زيادة من أحد. فهل يعقل أن يكون رسول الله ﷺ قد دل الأمة على كل ما يقربها من الجنة ويبعدها عن النار، ثم يخفى عليه ما يدعيه بعض الناس اليوم من أسرار وأعداد وطرق وخلوات وتجارب وأوراق وكتابات لم يعرفها الصحابة ولا التابعون ولا أئمة الإسلام؟

إن القضية أكبر من مسألة رقية؛ فالقضية هي: هل تؤمن حقًّا أن هذا الدين كامل؟ فإن كنت تؤمن بذلك، فكيف تبحث عن أبواب لم يفتحها الوحي؟ وكيف تطمئن إلى أسباب لم يدل عليها رسول الله ﷺ؟ وكيف تسكن نفسك إلى أعمال لا تعرف لها مستندًا من كتاب الله ولا من سنة نبيه؟

إن القلب الموحد يخاف البدعة أكثر مما يخاف البلاء؛ لأن البلاء غايته أن يؤلم الجسد، أما كل بدعة فضلالة. والمرض ينتهي بالموت، أما الانحراف عن الصراط المستقيم فقد يلقى العبد به ربه.

ولذلك كان السلف يخافون من المحدثات خوفًا عظيمًا؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الشيطان قد يفرح بالبدعة أكثر مما يفرح بالمعصية؛ إذ العاصي يعلم أنه مذنب فيرجى له التوبة، أما المبتدع فيحسب أنه يحسن صنعًا.

واليوم امتلأت الساحات بأمور يرق لها القلب أول الأمر ثم يرتعد آخره: ماء قيل فيه ولم يُعلم قائله، أوراق كتبت بطلاسم لا تُفهم، أعداد خصصت بلا دليل، هيئات وطرق لم ترد عن النبي ﷺ، قصص ومنامات وتجارب قُدمت للناس وكأنها وحي منزل.

ثم يضيع السؤال العظيم: أين الدليل؟

ذلك السؤال الذي به نجا الصحابة، وبه نجا الأئمة، وبه نجا أهل السنة في كل عصر.

إن المؤمن الصادق لا يسأل: هل نفع هذا فلانًا؟
بل يسأل: هل شرعه الله؟

ولا يسأل: كم من الناس يفعلونه؟
بل يسأل: هل فعله رسول الله ﷺ وأصحابه؟

ولا يسأل: هل جربوه؟
بل يسأل: هل دل عليه الوحي؟

فالدين لا يبنى على التجارب، ولا على المنامات، ولا على الأذواق، ولا على الحكايات المؤثرة، وإنما يبنى على الوحي المعصوم.

يا عبد الله، تأمل ذلك الموقف العظيم يوم تقف بين يدي الله وحدك، لا راقٍ ينفعك، ولا شيخ يدافع عنك، ولا جماعة تؤيدك، ويسألك ربك عن عملك واعتقادك، فهل يسرك حينها أن تقول: فعلت هذا لأن الناس فعلوه؟ أم لأن فلانًا أشار به؟ أم لأني وجدته منتشرًا بين المسلمين؟

أم النجاة أن تقول: يا رب، ما علمت خيرًا إلا اتبعته، وما علمت سنة إلا تمسكت بها، وما وجدت طريقًا لا دليل عليه إلا تركته خوفًا منك وتعظيمًا لأمرك؟

إن أعظم الرقى ليست تلك التي تعلق القلوب بالأشخاص، بل التي ترد القلوب إلى الله.

وأعظم الشفاء ليس شفاء الأبدان، بل شفاء القلوب من التعلق بغير الوحي.

وأعظم النجاة أن يخرج العبد من الدنيا وقد سلم له توحيده، وسلم له اتباعه، وسلم له دينه.

فاحذر كل طريق لم يمشِ فيه رسول الله ﷺ، ولو زُين لك بالقصص والعبرات والأقاويل. وتمسك بما ثبت عنه ﷺ.

الحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف بالدليل.

وما أحوج المسلمين اليوم إلى قلوب ترتجف من البدعة أكثر مما ترتجف من البلاء، وتخاف رد العمل أكثر مما تخاف فوات المصلحة، وتوقن أن الخير كل الخير في كلمة واحدة: اتبع ولا تبتدع، فقد كُفيت.

للمزيد:
كيف نوفّق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك الجدال والمراء؟
السحر

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة