حين نفقد أسباب النصر… لا نطلبه من السماء بلسانٍ يناقض الواقع
كلمات قليلة، لكنها تحمل ثِقَل أمة:
قتلٌ وخطفٌ، وخمورٌ ومخدرات، وعلاقاتٌ محرمة، وزنا وفجور، وسفورٌ واختلاط… مشاهدٌ ليست في كتب التاريخ، بل في واقعٍ يُرى ويُسمع ويُتداول، حتى صار بعضُها مألوفًا في الحس، مع أنه في ميزان الشرع من أعظم صور الانحراف.
ثم تأتي الكلمة الجامعة التي توقظ القلب:
رحم الله الشيخ ابن عثيمين، حين سُئل عن سبب تأخر النصر، فقال بمعناه: ليس عندنا ما يوجب النصر، فكيف نطلبه؟
هذه ليست إجابةً عاطفية، بل ميزانٌ عقدي وسُنني دقيق.
فالنصر في ميزان القرآن ليس وعدًا مطلقًا لكل من انتسب إلى الإسلام، وإنما هو وعدٌ مشروط بتحقيق الإيمان والتقوى، وإقامة الدين في النفس والمجتمع بقدر الاستطاعة والصدق.
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل ميزانًا يُقاس به الواقع قبل أن تُرفع الأكف بالدعاء.
وحين تتراكم صور الانحراف في حياة الأمة، لا يعود السؤال: لماذا تأخر النصر؟
بل يصبح السؤال الأدق: ماذا بقي من أسباب النصر في واقعنا؟
وليس الحديث هنا عن ذنوب أفرادٍ متفرقين، بل عن حالٍ عامةٍ تُرى فيها الكبائر، ويُتسامح معها، وتضعف في النفوس الغيرة الشرعية، ويُستبدل الإنكار بالتطبيع، والهيبة من المعصية بالألفة معها.
وهنا تكمن خطورة التحول؛ فالمعصية إذا خفيت كانت فتنةً لصاحبها، أما إذا شاعت وأصبحت مألوفة، فإنها تتحول إلى بيئةٍ تُربّي النفوس على اللامبالاة، حتى يضعف معنى المعروف في القلب، ويبهت معنى المنكر.
ولهذا، فإن هذا القول ليس دعوةً إلى القنوط من رحمة الله، وإنما هو إعادةٌ لتوجيه البوصلة؛ فالنصر ليس قضية دعاءٍ فحسب، بل قضية حالٍ وإصلاح، وليس أمنياتٍ تُتمنى، بل سننٌ تُؤخذ بأسبابها.
إن أخطر ما يصيب الأمة ليس وجود الذنب، بل فقدان الإحساس به، وليس وقوع الفتنة، بل الاعتياد عليها، وليس ضعف الأفراد، بل تآكل المفاهيم حتى تختلط الحدود بين الطاعة والمعصية، وبين الهدى والهوى.
ومع ذلك، فإن باب الرجوع لا يُغلق ما دام في القلب حياة، فرحمة الله أوسع من الذنوب جميعًا، لكن طريقها لا يمر عبر التبرير، وإنما عبر التوبة الصادقة، ولا يُنال رضا الله بالشكوى وحدها، بل بالرجوع إليه والإنابة.
وحين تُقرأ كلمات أهل العلم في هذا السياق، فلا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أحكامًا على الواقع فحسب، بل بوصفها دعوةً إلى إعادة بناء الداخل: إيمانٌ يُصلح القلب، وتقوى تُهذّب السلوك، وحياءٌ يُعيد للمعصية قبحها في النفس قبل أن تُترك في الواقع.
فليس الطريق إلى النصر أن نُكثر من ترديد أسبابه بألسنتنا، بل أن نُعيد وجودها في واقعنا: في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعاتنا.
وحينها فقط، لا نكون ممن يسألون: لماذا تأخر النصر؟ بل نكون ممن يسعون بصدق إلى أن يكونوا من أهله.










