مكانة المسجد في حياة المسلم بين الماضي والحاضر
إذا تأملنا في السيرة وبدايات تأسيس دولة الإسلام نرى أن أول خطوة في بناءها كانت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام ثم إذا غصنا في تفاصيل القصة نفهم جيدًا كيف بنى الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام وكيف أن تعمير النفوس بالإيمان أولى من تعمير المباني!
نستطرد قليلًا…
لو سألنا عالم اجتماع في هذا الزمان ما أول ما يُبدأ به في بناء الدولة لقال الاقتصاد، ثم لو نظرنا لحال الصحابة المهاجرين وفقرهم الذي كانوا عليه بسبب هجرتهم لكان البدء بتأسيس اقتصادًا قويًا أولى من بناء مُنشأة أخرى فضعفهم شديد فمن أين تأتي القوة والعدة والعتاد إن لم يُؤسس السوق!
ولكن الحكمة الربانية تأبى إلا أن يكون الدين والإيمان وبناء النفوس أول ما يُبدأ به وإن اشتدت الحاجة لما سواه، فما كان للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يبدأ ببناء مسجد فور وصوله للمدينة، فهل تُقاد وتُؤسس خلافة الإسلام الإ في المساجد!
ومن حكمة الله عز وجل أنه عندما ذكر في كتابه العزيز حال المساجد ووصفها أنها بيوته عز وجل، قَرَنَ ذلك الوصف بحال أصحابها فقال فيهم عز وجل ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ فالتجارة والبيع والسوق أشد ما قد يلهي الإنسان عن المسجد وعن معاني الإيمان والعبودية ومقاصد الإسلام بل وحتى قد تشغله عن تذكر غاية الوجود.

ولو فصلنا عن حال المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لن ننتهي فقد كان المسجد النبوي مرتبط بشؤون الإسلام أجمع، وخصوصًا في البعدين السياسي والاجتماعي، أما السياسي فهو محل لاستقبال الوفود كما حدث مع وفد ثقيف وهو مكان لحسم النزاعات مثل النزاع الذي حصل بين كعب بن مالك وابن أي حدرد رضي الله عنهم ،وأما الاجتماعي فكان الفقراء يؤوون إليه وتسد حاجاتهم فيه حتى إن عقود النكاح كانت تتم في المسجد.
ولا زال المسجد هو الركن الشديد له الأولوية في القرون المفضلة حتى كان المرء منهم يقضي وقتًا في المسجد أكثر من بيته !!
فكان عبد اللّٰه بن الزبير بن العوام رضي اللّٰه عنه يُسمَّى (حَمَام المسجد) من كثرة ملازمته للمسجد.
وكان الربيع بن خثيم – رحمه اللّٰه – من كثرة حبه وملازمته للمسجد يقول: «إني لآنس بصوت عصفور المسجد عن أُنسي بزوجتي.»
ثم نأتي لواقع أمتنا اليوم فنرى تهميش الدور الحقيقي للمسجد، فالمساجد اليوم أضحت للصلوات الخمس وخطبة الجمعة والعيدين لا غير، وهذا تقليص ممنهج لدور المسجد وهذا التقليص يؤتي أكله في إضعاف الإسلام رويدًا رويدًا ، فمتى ما هُمش دور المسجد كان ذلك مؤشرًا واضحًا لما سيؤول إليه حال المسلمين من ضعف وبعد عن الدين واغترار بزخارف الدنيا والغفلة المطبقة ، فقد أصبحت أغلب الدول الإسلامية في هذا الزمان تكتفي بجعل المسجد مفتوحًا فقط لوقت الصلوات الخمس ثم تغلقه !! حتى بين أوقات الصلوات يُغلق، أما خطبة الجمعة يختارون مواضيع هامة وتصب في حاجة الأمة – أحيانًا – فتكون الخطبة بإيجاز وعموم كما تقتضيه السنة فيها، ولكن ما إن تنتهي تُغلق المساجد طوال الأسبوع فلا نسمع مجالسًا للعلم تبين ما قد قيل من خير مجملًا في خطبة الجمعة فلا يؤتي الخير الذي قيل ثماره إلا ما رحم ربي!
واذا سألنا عن السبب قيل إن خطبة الجمعة تكفي وأن فيها الصلاح والنفع! هذا لا شك فيه ولا ريب أن فيها الخير فخطبة الجمعة لها مكانتها وعظيم شأنها ، ولكن حاجة القلوب في هذا الزمان للتذكير ولترقيق القلوب، والتزكية شديدة بل إن حاجتها لمجالس العلم والذكر أشد من حاجتها للطعام والشراب.
مثلاً أحد خطب الجمعة تحذر الناشئة من تضييع وقته بما لا ينفع وهذا كلام عام مجمل الجميع يعلم به ولا يكفي بأن يكون سدًا منيعًا للمسلم يحميه من تلاعب الشيطان به، فحاجة الأمة في هذا الجانب تدعو لإقامة دروس ومجالس للناشئة لتعليهم استغلال الوقت والغوص معهم في واقعهم وتحليل مشكلاتهم وما يخوضونه في عصر الفتن لا أن يكتفى بالتحذير العام الذي يعرفه كل أحد، فالجيل أصبح ضعيفاً علميًا ومتخبط ومتشتت لا يدري من أين ياخذ العلم، وقس عليه جميع المواضيع.
إذ لابد أن تعزز الكلمات الموجزة في الخطب بدروس تربوية وتزكوية وعلمية تقام في المساجد لتعيين المسلم لتطبيق ما يسمع، وهذه الدروس كونها موجهة للعامة فلابد أن يكون فيها على الأقل الحد الأدنى الذي يجب على كل مسلم أن يعرفه ويعلمه لتكون تعاليم الإسلام حاظرة في كل تصرفاته وأفكاره لا أن يصبح الدين مكانه المسجد فإذا خرج منه انسلخ من تعاليمه!
وجانب آخر وهو إقامة بعض المساجد لحلق القرآن وهذا خير كبير ولكن الخلل ليس في وجود الحلقات من عدمه وإنما في منهج هذه الحلقات! فمما يزيد من جراح الأمة أن أغلب الحلقات أمست باهتة المعنى، أعظم مافيها أن يحفظ الصبي القرآن ويهذه كهذ الشعر فلا يفهم المعاني ولا يعلم كيف يعمل بما حفظ بل كل همه أن يحصل على شهادة الحفظ ولو سُئل عن معنى الفلق لما أجاب!
وهذا يدخل في تحييد المعنى الأعظم والأول الذي نزل من أجله القرآن وهو التدبر!
قال تعالى في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
فينشأ الفتى في هذه الحلقات وهو لا يربطه بالقرآن إلا شهادة حفظه ويكبر ويتم الحفظ ويعلق الشهادة، وهذا مبلغه من العلم فلا عمل ولا زيادة إيمان ولا تدبر.
حفظ القرآن منقبة عظيمة ولا يحقرها إلا جاهل ولكن فقه الأولويات له شأن آخر، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في ترتيب أولويات الدين خير دليل، فعن جندب رضي الله عنه قال (كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا)
وقد ذكرنا جانبان فقط من عدة جوانب باتت تفتقر إليها المساجد في هذا العصر ، وإلا فمحاربة الإسلام قد طالت المساجد من جهات كثيرة.
ختامًا
إن كان يصعب في هذا الزمان محاكاة ما كان عليه المسجد النبوي هذا لا يعني تحييد دور المساجد بالشكل الذي نراه في الأمة اليوم. بل يجب على القائمين عليها إعادة مركزة دورها في حياة المسلم على الحد الأدنى وذلك بجعلها مهوى أفئدة الصغار قبل الكبار بعقد الدروس والحلقات التي تلبي احتياجاتهم على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.










