همسة ج3

همسة12

«ولكن ماذا عمَّن دُنِّسَ قلبُها، وعَظُمَ ذنبُها؟ كيفَ لها أن تتراجعَ وتُصلحَ ما أفسدَهُ الدهرُ؟ يأكلُني الندمُ يا سُميَّةُ، ما الحلُّ في رأيكِ؟»

وصلني هذا الرَّدُّ على الهمسةِ السابقةِ، وقد مزَّقَ قلبي وأدمعَ عينيَّ، فحالُ الفتياتِ في هذا الزمنِ أصبحَ جرحًا غائرًا، فأتى سؤالُها على الجرحِ تمامًا، وكانَ كافيًا أن ينكَأَهُ!

أيْ بُنيَّتي، اسمعي منِّي، وآملُ من اللهِ أن تنتفعي.

إنَّ الذي لا ينطقُ عن الهوى قالَ: “لو لم تُذنبوا لذهبَ اللهُ بكم، ولجاءَ بقومٍ يُذنبونَ فيستغفرونَ، فيغفرُ اللهُ لهم”.

تأمَّلي، بُنيَّتي، قولَهُ ﷺ: “لو لم تُذنبوا لذهبَ اللهُ بكم…” وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ، فإنَّما يدلُّ على أنَّ الإنسانَ مجبولٌ على أن يُذنبَ ويُخطئَ، ومن لا يُخطئْ لا يكونُ بشرًا.

ولكنْ، هل هذا يعني أن نستمرَّ في الخطأِ؟ أم نتركَهُ؟ وإنْ تركناهُ، فهل نقضي العمرَ كلَّهُ نعضُّ أصابعَ الندمِ؟

بالطبعِ لن يكونَ الحلُّ البقاءَ على الذنبِ، ولا قتلَ النفسِ ندمًا، بل جاءَكِ الحلُّ من ربِّ الأرضِ والسماواتِ، حلًّا رحيمًا بالإنسانِ، وعلى قدرِ ضعفِهِ، فقالَ تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

والآنَ باللهِ عليكِ، قولي لي: هل ما زلتِ مستعظمةً ذنبَكِ؟ وهل ستقضينَ العمرَ كلَّهُ عاضَّةً أصابعَكِ من جُرمِكِ؟ وما يفعلُ اللهُ بتعذيبِكِ نفسَكِ، وقد فتحَ لكِ من أبوابِ النجاةِ والتوبةِ ما يشرحُ الصدرَ ويبعثُ الأملَ؟

وأولُها التركُ دونَ رجعةٍ. صحيحٌ أنَّهُ عليكِ أن تُصاحبي التركَ بالندمِ، لكنْ لا يكنْ ندمَ تثبيطٍ، بل ندمَ تحفيزٍ.

تتساءلينَ: كيفَ ذلكَ؟ أقولُ لكِ:

إنْ كانَ ندمُكِ سيفرضُ عليكِ حبسَ نفسِكِ بينَ أربعةِ جدرانٍ، وعَضَّ أصابعِكِ ليلَ نهارٍ، وجلدَ ذاتِكِ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، فهذا ندمُ تثبيطٍ كتبَ عليكِ عزلةً لا ثمرةَ مرجوَّةَ منها.

لكنَّ التركَ المحفِّزَ، الذي يصاحبُهُ عزمٌ ومواثيقُ أنَّكِ لن تلجيَ ذاكَ البابَ مرَّةً أخرى، بل لن تكتفيَ بهذا، وإنَّما ستقطعينَ كلَّ السبلِ الموصلةِ إليهِ، وتعزمينَ على نصحِ الفتياتِ اللواتي ما زالتْ على قلوبِهنَّ غشاوةٌ، وأن تكوني أمَّةً بأمَّةٍ في الخيرِ ما استطعتِ.

وإيَّاكِ ثمَّ إيَّاكِ يا غاليةُ أن يُثبِّطَكِ الشيطانُ عمَّا عزمتِ عليهِ من توبةٍ، بزعمهِ لكِ أنَّ الذنبَ كبيرٌ، وأنَّ ما فعلتِهِ لا يُغفرُ.

لا تُصدِّقيهِ، بل لا تُصغي لهُ ولأمثالِهِ من المثبِّطينَ، أعوانِ الشياطينِ؛ فمهما عظمتْ ذنوبُكِ، فاللهُ أعظمُ منها، وأرحمُ، وأرأفُ.

فكما أنَّ الإسلامَ يجبُّ ما قبلَهُ، فكذلكَ التوبةُ تمحو ما قبلَها، وقد قالَ ﷺ: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ لهُ». وليسَ هذا فحسبُ، بل يُبدِّلُ اللهُ السيئاتِ حسناتٍ، فقالَ سبحانهُ:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

وهل ثمَّةَ فضلٌ وخيرٌ أعظمُ من هذا؟

أمَّا ما قلتِهِ عن الندمِ الذي ألمَّ بكِ، فهذهِ من علاماتِ الخيرِ؛ فلا توبةَ إلا بندمٍ، ولكنْ ندمًا يبعثُ على الثباتِ على التركِ، والثباتِ على التوبةِ، فذاكَ مفتاحُ الصدقِ.

في النهايةِ، بُنيَّةَ قلبي، أوصيكِ أن تستعينيَ باللهِ في كلِّ ما يلمُّ بكِ؛ فاللهُ خيرُ من يُستعانُ بهِ، مُفرِّجُ الكرباتِ، وقاضي الحاجاتِ.

هذا، وأستودعُ اللهَ قلبَكِ، ومحاولاتِكِ، وسعيَكِ، وآملُ أن تريَ حصادَ إقلاعِكِ قريبًا، وتأتينا بُشرياتُ طمأنينةِ قلبِكِ، وسلامةِ صدرِكِ، على جناحِ الطيرِ.

للمزيد:
مسميات خادعة
استشارات بشأن العلاقات غير الشرعية (الجزء الأول)

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة