الربا… حين تُبدَّل الأسماء وتبقى الحقائق

|

الربا… حين تُبدَّل الأسماء وتبقى الحقائق
ليس من الصعب على المؤمن أن يجتنب الحرام إذا ظهر له باسمه وحقيقته؛ وإنما تكمن الفتنة حين يختلط الحق بالباطل، وتُلبس المعصية ثوبًا من الألفاظ البراقة، حتى يظنها الناس من المعاملات المباحة، وهي في حقيقتها تحتاج إلى نظرٍ وتمحيص.

لقد أكمل الله هذا الدين، وبيّن الحلال والحرام، ولم يجعل الأحكام تابعة للأسماء التي يختارها الناس، بل جعل العبرة بحقائق الأشياء.

ولهذا قال تعالى في أشد آيات الوعيد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279].

تأمل… لم يأتِ الوعيد هنا على مجرد مخالفةٍ مالية، بل على معاملة تهدم أصلًا من أصول العدل الذي جاءت به الشريعة، ولذلك شدد الله فيها ما لم يشدد في كثير من أبواب المعاملات.

ومع تطور المعاملات المالية، كثرت العقود، وتنوعت المسميات، وصار الناس يسمعون ألفاظًا جديدة: تمويل، تسهيلات، عوائد، رسوم، أرباح، إعادة جدولة… وليس المقصود من ذكر هذه الأسماء الحكم عليها جميعًا، فإن منها المشروع، ومنها المحرم، ومنها ما يفتقر إلى معرفة تفاصيل العقد.

لكن الخطر أن يظن المسلم أن تغيير الاسم وحده يغيّر الحكم الشرعي.

وهذا ليس من منهج الشريعة؛ فإن أهل العلم قرروا أن العبرة في العقود بحقائقها ومعانيها ومقاصدها، لا بمجرد ألفاظها وأسمائها. فمتى كان العقد مستوفيًا لشروط البيع المشروع كان بيعًا، ومتى اشتمل على ربا أو غرر أو شرط محرم، لم يخرجه من حكمه اسمٌ جديد ولا عبارةٌ حسنة.

ومن هنا كان الواجب على المسلم ألا يستحيي من السؤال، وألا يقدم على عقدٍ لم يفهم حقيقته، فإن كثيرًا من الناس يقرأ الإعلان، ولا يقرأ العقد، ويسمع الوصف التجاري، ولا يسأل عن التكييف الشرعي.

وليس كل ما يُنشر، أو يشيع بين الناس، أو تكثر المعاملة به، يكون دليلًا على جوازه؛ فإن كثرة المتعاملين ليست دليلًا شرعيًا، وإنما الدليل كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وما قرره أهل العلم الراسخون.

كما أن الإنصاف يقتضي ألا يُحكم على جميع المؤسسات أو جميع العقود بحكم واحد؛ فليست العقود سواء، ولا المعاملات سواء، وإنما يُنظر في كل معاملة بعين العلم والعدل.

وقفة محاسبة

قبل أن توقع عقدًا، لا تسأل أولًا:

  • كم سأدفع؟ وكم سأربح؟

بل اسأل:

  • ما حقيقة هذا العقد؟
  • هل يقوم على بيعٍ صحيح؟
  • أم على قرضٍ جرَّ نفعًا للمقرض؟
  • وهل أستطيع أن ألقى الله وأنا مطمئن إلى سلامة هذه المعاملة؟

إن من أعظم أبواب الورع أن يتعلم المسلم فقه المعاملات قبل أن يدخلها، فإن سلامة الدين مقدمة على سلامة المال، والربح الحقيقي ليس ما زاد في الرصيد، وإنما ما بارك الله فيه، وكان سببًا لرضاه.

قد يخدع الاسم البصر، لكن الحقائق لا تتغير بالأسماء. ومن صدق مع الله في طلب الحلال، ورزقه الله بصيرةً في دينه، جعل له من أمره رشدًا، وبارك له في قليلٍ يغنيه، خيرًا من كثيرٍ نُزعت بركته.»

للمزيد:
التاجر المسلم

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة