وهنا نستكمل معكم الجزء الثالث من مقال ” بيتكِ أمانة فلا تضيعيه”
عوائق تمنع نور البيت
وكما أن هناك أسبابًا تُعيد النور إلى البيوت، فهناك أمور قد تطفئه ولو كان البيت واسعًا ومليئًا بالنعم؛ لأن ظلمة البيوت لا تكون دائمًا من قلة المال أو ضيق الحال، بل قد تكون من قسوة القلوب، وبعدها عن الله.
ومن أعظم ما يطفئ نور البيت: كثرة المعاصي والخلوات التي لا يراها الناس، فإن للذنوب أثرًا على القلوب، وإذا ضعفت صلة العبد بربه انعكس ذلك على أخلاقه وعلاقاته.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
فالبيت الذي تُرتكب فيه المعاصي بلا خوف من الله قد يفقد شيئًا من بركته وطمأنينته، حتى لو لم يشعر أهله بسبب ذلك.
ومن الأمور التي تذهب سكينة البيوت: كثرة النزاع وارتفاع الأصوات، فإن الشيطان يفرح بكل خصومة تُضعف المحبة بين أهل البيت، وقد يسعى إلى تضخيم الأخطاء الصغيرة حتى تصبح جدران البيت ممتلئة بالجفاء.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
فالكلمة ليست أمرًا بسيطًا؛ فقد تكون سببًا في بناء المودة، وقد تكون سهمًا يهدم قلبًا ويزرع جرحًا لا يُنسى.
ومن أعظم ما يحتاج أهل البيوت إلى الحذر منه: الانشغال بالدنيا حتى يصبح البيت مكانًا للنوم والطعام فقط، لا مكانًا للإيمان والمودة والتربية. فقد يجتمع أفراد الأسرة تحت سقف واحد، ولكن قلوبهم بعيدة؛ لأن كل واحد يعيش في عالمه الخاص.
إن الأجهزة والشاشات حين تأخذ مكان الحوار، وحين يصبح لكل فرد عالمه المنفصل، تضعف الروابط التي تحتاجها الأسرة، ويقل الدفء الذي يجعل البيت مأوى للقلوب.
ومن العوائق كذلك: غياب العفو والرحمة، فبعض الناس يحفظون أخطاء أهلهم أكثر مما يحفظون فضائلهم، ويتذكرون لحظات التقصير وينسون سنوات الإحسان.
والبيت لا يستقيم بكثرة المحاسبة، بل بكثرة الرحمة، ولا يُبنى بالانتقام من الأخطاء، بل بالتعاون على إصلاحها.
قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.
فمن أراد بيتًا منيرًا فليبدأ بنفسه، وليفتش عن أثره في بيته: هل هو مصدر سكينة أم مصدر توتر؟ هل إذا دخل البيت شعر أهله بالراحة أم بالخوف؟ هل كلماته تبني أم تهدم؟
فإصلاح البيوت يبدأ من القلوب، ومن أراد أن يرى النور في أركان منزله فليحمله أولًا في قلبه؛ فإن القلوب إذا أشرقت بنور الإيمان أضاءت من حولها.
وليس أعظم من بيتٍ قد تعلوه البساطة، لكن تسكنه الرحمة، وتُتلى فيه آيات الله، وتلتقي فيه القلوب على طاعته؛ فهذا هو البيت الذي حفظ الله له حقيقته، وجعل فيه من البركة ما لا تصنعه الدنيا كلها.
ثمرات البيت الذي يسكنه الإيمان
إذا أشرقت البيوت بالإيمان، لم يكن أثر ذلك مقصورًا على أداء العبادات، بل يمتد إلى كل زاوية فيها؛ في الحديث، وفي التعامل، وفي تربية الأبناء، وفي مواجهة الشدائد. فالبيت المؤمن ليس بيتًا لا يعرف المشكلات، ولكنه بيت يعرف كيف يعالجها بما يرضي الله.
ومن أعظم ثمار الإيمان في البيوت: نزول السكينة. فقد يمر أهل البيت بضيق في الرزق، أو مرض، أو هموم تثقل القلوب، ومع ذلك يبقى بينهم اطمئنان عجيب؛ لأنهم يعلمون أن تدبير الله خير من تدبيرهم، وأن الفرج بيده وحده.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومن ثمراته كذلك: اجتماع القلوب على المحبة الصادقة، فالإيمان يجمع ما قد تفرقه الطباع، ويجعل العفو أقرب من الانتقام، والإحسان أسبق من الإساءة، فيصبح كل فرد في الأسرة معينًا لأخيه على الخير، لا منافسًا له في الدنيا.
والبيت الذي يسكنه الإيمان يخرج أبناءً يعرفون ربهم، ويوقرون والديهم، ويحسنون إلى الناس؛ لأنهم تربوا على مراقبة الله قبل مراقبة البشر، وعلى الصدق قبل المصلحة، وعلى الأمانة قبل المكاسب.
ومن ثمرات هذا البيت المبارك أن الشدائد لا تفرقه، بل تزيده قربًا من الله، فإذا نزل البلاء اجتمعت القلوب على الدعاء، وإذا جاء الفرج اجتمعت على الشكر، فلا يطغون عند النعمة، ولا ييأسون عند المصيبة.
كما أن هذا البيت يكون بيئةً صالحةً للدعوة إلى الله، فكم من قريب أو جار تأثر بحسن أخلاق أهله، ورأى في معاملتهم صورةً عمليةً للإسلام، فكان ذلك سببًا في هدايته أو ثباته.
قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، وكذلك القلوب والبيوت إذا طابت بالإيمان أثمرت خيرًا وبركة.
وما أجمل أن يكون البيت محطة راحة بعد عناء الحياة، يجد فيه كل فرد كلمةً طيبة، ووجهًا بشوشًا، ودعاءً صادقًا، وتذكيرًا بالله إذا غفل، ومواساةً إذا حزن.
فالبيوت المضيئة ليست تلك التي تكثر فيها الزينة والأثاث، وإنما التي يكثر فيها ذكر الله، وتحيا فيها القلوب بطاعته، ويغلب فيها العفو، والرفق، والرحمة.
فإذا أراد المسلم بيتًا مباركًا، فليجعل الإيمان أساسه، والقرآن أنيسه، والسنة منهجه، وليعلم أن أعظم ميراث يتركه لأهله ليس مالًا ولا عقارًا، وإنما قلبًا عرف الله، وبيتًا دلَّ أهله على طريقه.
وسائل المحافظة على الإيمان في البيت
بعد أن عرفنا ثمرات البيت الذي يسكنه الإيمان، فإن من تمام الفائدة أن نعرف كيف نحافظ على هذا الإيمان حتى يبقى حاضرًا في حياتنا، فلا يضعف مع مرور الأيام، ولا تسرقه مشاغل الدنيا.
وأول وسائل المحافظة عليه: دوام الصلة بالله تعالى، بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والإقبال عليها بخشوع، فهي أعظم ما يحيي القلوب، ويجمع الأسرة على طاعة ربها.
ومن أهم الوسائل كذلك: أن يكون للقرآن مكانٌ ثابت في البيت، تلاوةً وتدبرًا وعملاً، فإن البيوت التي يعمرها القرآن تحيا القلوب فيها، وتتنزل عليها البركة، ويبتعد عنها الشيطان.
ومن وسائل حفظ الإيمان: الإكثار من ذكر الله، في الصباح والمساء، وعند الدخول والخروج، وعند الطعام والنوم، حتى يظل البيت عامرًا بذكر ربه، مطمئنًا ببركته.
ويحرص أهل البيت على الاجتماع على الطاعات، ولو كانت يسيرة، كقراءة حديث، أو مدارسة آية، أو تذكير بموعظة، فإن الأعمال الصغيرة إذا داوم عليها أهل البيت صنعت أثرًا عظيمًا في نفوسهم.
ومن أعظم أسباب بقاء الإيمان: اختيار الكلمة الطيبة، والعفو عند الخطأ، والرفق في النصح، فإن الأخلاق الحسنة ثمرة للإيمان، وهي كذلك سبب لزيادته واستقراره في القلوب.
كما ينبغي أن يُصان البيت عن كل ما يضعف الإيمان، من المحرمات، واللهو المفسد، والصحبة السيئة، وكل ما يصد عن ذكر الله أو يفسد العقيدة والأخلاق.
ولا ينس أهل البيت الدعاء، فإن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكان من دعاء عباد الله الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
فإذا حافظت الأسرة على هذه الأسباب، بقي الإيمان حيًا في بيتها، وزادت المودة بين أفرادها، وأصبحت بيوتهم حصونًا للإيمان، ومناراتٍ للهداية، ومواطن للسكينة والرحمة.
- جويرية
ولقراءة الجزء الثاني من هنا …








