جذورٌ لا تُسرَق (كفالة اليتيم)..

جذورٌ لا تُسرَق (كفالة اليتيم)..
كتب أحدهم، ويسمي نفسه فيليب، أن الإسلام يحرم التبني، ووضع صورة أطفال في ألمانيا يتم تبنّيهم، مع أطفال مشرّدين من سوريا، وبيّن كم أن الإسلام ظالم؛ يمنع احتضان هؤلاء الأطفال الأيتام، لأن كل ما يهتم به هو اختلاط الأنساب. وهذا يبيّن مدى جهل المتصدرين للحديث بأحكام الإسلام؛ فهو فهم التبني بوصفه أخذ الأطفال، واحتضانهم، والإنفاق عليهم، ولا يدرك من أحكام الإسلام شيئًا.

لم يحرّم الإسلام كفالة اليتيم، لكنه حرّم أن نمحو اسم الأب والأم وماضي الطفل لنضمّه ونرعاه. على العكس تمامًا، كفالة اليتيم من الأعمال التي عظّمها الإسلام تعظيمًا شديدًا؛ حتى قال النبي ﷺ:
«أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى.
كأن اليد التي تمسك بيد اليتيم في الدنيا لها موعد مع القرب من رسول الله ﷺ في الآخرة. فأي دينٍ يمنع احتضان الأطفال كما يقول صاحب المنشور؟

هذا العمى الفكري الذي يمثّله فيليب وأمثاله بنوا قصور استعلائهم على جرفٍ هارٍ من الجهل الفاضح والسطحية المزرية!

الإسلام لا يمنع رعاية الطفل؛ يمنع أن تُصنع له هوية بيولوجية مزيفة.

يمكنك أن تحب إنسانًا دون أن تغيّر نسبه وتمحو ماضيه، أليس هذا أسمى درجات الحب؟ العدل يقتضي ألا ننسب الإنسان إلى غير أبيه، لكن الطفل نفسه لا يُترك.
الإسلام يقول: خذه إلى بيتك، لكن لا تسرق منه ماضيه، أطعمه، ألبسه، علّمه، أحبّه، احمله إن بكى، اسهر إلى جواره إذا مرض، ادفع تكاليف دراسته، افرح بنجاحه، احزن لألمه، كن له سندًا.
لكن لا تقل له كذبًا:
أنا أبوك الذي أنجبك.
لأن المحبة لا تحتاج إلى الكذب.

الإسلام يهتم بالطفل نفسه وبحقه في الرعاية، وفي الوقت ذاته يهتم بحقيقة نسبه وحقوقه القانونية والاجتماعية.
حفظ النسب ليس مجرد هوس بالأسماء.

إنه يحفظ للإنسان حقوقًا تتعلق بالقرابة، والميراث، والمحارم، والزواج، والهوية الأسرية.

لقد اختار فيليب أطفالًا سوريين تحديدًا؛ أطفالًا خرجوا من واحدة من أكثر المآسي قسوة في عصرنا، ثم جعلهم مجرد أداة في معركة خطابية ضد الإسلام، وتناسى أن هؤلاء الأطفال الأيتام فقدوا أبويهم أو أحدهما، لكنهم لا يزالون يتذكرون ضمّة الأم، ودفء صوت الأب، ولعلهم ينادون بأسمائهم شوقًا إليهم، لكن فيليب يريد أن نمحو العائلة الأصلية لكي نضم هذا الطفل إلينا!

طفلُ الشام أو اليمن أو غزة ليس كائنًا بلا ذاكرة؛ إنه يحمل في وجدانه صورة أمه وهي تمشط شعره، وصوت أبيه وهو يناديه باسمه، وطعم قبسٍ من الدفء لا يُمحى.

الإسلام لا ينظر إلى الإنسان بوصفه “طفلًا يحتاج إلى من يطعمه” فحسب، بل يراه كائنًا له قصة، وله جذور، وله حق في أن يعرف من أين بدأ اسمه، ومن أي رحم خرج، ومن أي أب جاءت نطفته.

هناك شيء عميق جدًا في أن يعرف الإنسان: من أنا؟
وليس المقصود مجرد اسمين في شهادة الميلاد.
بل ذلك السؤال الذي قد يوقظ الإنسان في منتصف عمره: من كانت المرأة التي حملتني تسعة أشهر؟
من كان الرجل الذي جاءت منه النطفة التي بدأت بها حكايتي؟
هل لي إخوة؟
هل لي جدّ يشبهني؟
من أين جاء هذا الوجه؟ وهذه العينان؟ وهذا الصوت؟
ولماذا أشبه شخصًا لم أعرفه قط؟

هذه ليست أسئلة فضولية.
إنها أسئلة هوية.
حفظ النسب في الإسلام ليس ورقةً في دائرة حكومية، وإنما حفظٌ لقطعة من ذاكرة الإنسان قبل أن يستطيع هو نفسه أن يتذكر.

فالطفل لم يختر أن يولد، ولم يختر والديه، ولم يختر أن يفقدهما، ولم يختر أن يكون مجهول النسب، لكن إذا كان بالإمكان أن تُحفظ الحقيقة، فليس من العدل أن تُدفن الحقيقة معه.

للمزيد:
ليس للروح وطنٌ إلا الإسلام
حقوق الجنين في الإسلام

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة