فتنة المتصدرين؛ حين تصنع الشاشة قدوة

|

فتنة المتصدرين؛ حين تصنع الشاشة قدوة:

لم تعد مواقع التواصل تنقل إلينا الأشخاص كما كانوا من قبل: أسماءً نسمع بها، أو وجوهًا نراها عابرًا، أو كتبًا نقرأها ثم نضعها جانبًا؛ بل صارت تُدخلهم إلى تفاصيل أيامنا، وتعيدهم إلينا مرة بعد مرة؛ حتى يألفهم النظر، وتألفهم النفس قبل أن تعرف منزلتهم من العلم على الحقيقة.

وهنا تبدأ الحكاية من موضع أبعد من الإعجاب؛ فالنفس البشرية لها ميلٌ غالبٌ إلى التأسي، وهي بطبيعتها تتأثر بمن تحبّه وتكثر مجالسته، وتأنس به، ولذلك لم يكن أثر الصحبة في الإنسان أمرًا هامشيًّا؛ قال النبي ﷺ: «إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً».

وما أكثر ما صنعت الشاشة في زماننا صورةً جديدة من الصحبة: شخصًا لا نعرفه، لكنه يحضر في صباحنا ومسائنا، نسمع حديثه، نرى عاداته، نتابع انفعالاته، ونشهد شيئًا من يومه؛ فينشأ في النفس شعور بالقرب لا يساوي حقيقة المعرفة.
ومع كثرة التكرار، تتحول الألفة إلى إعجاب، والإعجاب إلى ثقة، وربما انتهت الثقة إلى تقليد وتسليم.
وقد يتجاوز المرء في تعظيمه حدّ الانتفاع إلى حدّ لا يشعر معه أنه يتلقى عن إنسان يصيب ويخطئ، وإنما عن صورة ذهنية اكتملت في نفسه؛ فأصبح ما يصدر عنها أقرب إلى الصواب لمجرد أنه صدر عنها.
فيُغضّ الطرف عن الأخطاء والزلل الذي لا بد منه؛ لأن الصورة في النفس أصبحت أسبق من الموقف، ويُحمَل الكلام على أحسن محامله، لا لقوته، بل لمكانة قائله في القلب، فيتأوّله تأوّلًا انتقائيًّا، فيكون كما قال الشافعي رحمه الله: وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ وَلَكِنَّ عَينَ السُّخطِ تُبدي المَساوِيا.

وقد حذر شيخ الإسلام ابن تيمية (في الاستقامة جـ٢ صـ٢٥٤) من هذا المدخل الخطير على النفس في الإعجاب والتشبّه فقال: ‏“فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره لا سيما إن كان نظيره يفعله ففعله؛ فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض؛ ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي ﷺ”. ‏

وهنا تكمن دقة المسألة:
قد يُعجب الإنسان بالشخص قبل أن يُعجب بقوله، ثم يصبح قوله حسنًا في عينه لأنه صدر ممن أحب. ولهذا كان السلف شديدي العناية بمن يُؤخذ عنه الدين، فقال محمد بن سيرين رحمه الله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».
فالمعيار ليس حسن الحضور، ولا قوة التأثير، ولا القدرة على صناعة صورة محببة في أذهان الناس؛ فهذه كلها قد تجعل المرء مشهورًا، لكنها لا تجعله بالضرورة أهلًا لأن يكون مرجعًا. وقد جعل الله الأسوة في موضعها، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].

فالأسوة في التصور الإسلامي ليست مجرد انجذاب إلى شخصية مؤثرة، وإنما اقتداء بمن استحق الاقتداء، ومعرفةٌ تُبنى على الحق قبل الأشخاص. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اعرف الحقَّ تعرف أهلَه»؛ فليس الحق يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بموافقتهم للحق، وأعظم الحق وأكمله ما جاء به رسول الله ﷺ.
فالقدوة الأولى والأعلى للمؤمن هي رسول الله ﷺ؛ فهو الذي زكّاه ربه، وأثنى على خُلُقه فقال عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وأمر باتباعه وطاعته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ۸۰]، فكل قدوة بعده تُقبل بقدر موافقتها لهديه، ولا يُجعل أحد من الناس ندًّا له صلى الله عليه وسلم في الاتباع والمحبة والتعظيم.

ثم الأحق من بعده بالاقتداء هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان مستنًّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». فإن الصحابة إنما صاروا قدوة لأنهم صحبوا النبي ﷺ، وتعلموا منه، واقتفوا أثره؛ فهل يُعقل لغيرهم ممن دونهم في العلم والفضل والاتباع أن يُجعَلوا القدوة؟!

وليس المطلوب أن نجفّف القلوب من المحبة، ولا أن نعيش بريبة من كل صاحب تأثير؛ وإنما أن تبقى المحبة في موضعها، وأن يبقى الحق أكبر من الرجال. ننتفع بالعالِم من علمه، وبصاحب التجربة من تجربته، وبصاحب الكلمة الحسنة من كلمته، دون أن تتحول المنفعة إلى تعظيم، ولا الإعجاب إلى تبعية.
فأحب شيخك ومن علمك الخير ولا تَذُبْ فيه.
فليس كل من ملأ الشاشة أهلًا لأن يملأ القلب، ولا كل من أحسن الوصول إلى الناس أحسن الدلالة لهم. والقدوة التي لا يعتريها نقص ولا اضطراب هو النبي ﷺ؛ فما من خير إلا دلّ أمته عليه، وما من شر إلا حذرها منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله»، وقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ».

فليكن تعلق القلب بهديه صلى الله عليه وسلم قبل التعلق بأسماء المتصدرين، وليكن ميزان المحبة الاتباع، لا كثرة المتابعين والمشاهدة والمشتركين في البرامج العلمية. وفي عصر الشاشة، لا نختار القدوة بكثرة الظهور، ولا بكثرة الاتباع، بل بصدق الدلالة.

نختبر القول باتباع السنة والأثر، ونزن صاحبه بما يوافقه منهما؛ فإن أشد ما يفسد البصيرة أن يصبح الشخص هو المعيار، ثم يُقاس الحق عليه. وما أحوجنا اليوم إلى أن نخفف من التعلق بالأشخاص، ونزيد تعلقنا بالوحي، وأن نردّ قلوبنا إلى الأسوة الأولى: محمد ﷺ.

للمزيد:
أمر بالمعروف!
فتنةُ الأنصاف

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة