تحب قصص الأبطال، وتستلهم من مواقفهم، تخادعك نفسك أن الرسوم بها من الفوائد و”الدرر” ما يمنعك عن ترك متابعتها؟
دعني إذن أخبرك عن الأبطال حقًا، وأحكي لك عن قصة أحد أعظم الأبطال في التاريخ، أحكي لك عن ذلك الشجاع الشهم البطل، ميمون النقيبة، حسن الرأي والإمارة، سيد قومه في الجاهلية والإسلام..
إنه “المثنىٰ بن حارثة بن سلمة بن ضمضم الشيباني رضي الله عنه” صحابي جليل، من كبار قادة المسلمين الفاتحين، ومن كبار قادة العرب، من أهل العراق.
شهد يوم ذي قار، وكان سيد قومه قبل الإسلام، وفي ذلك ابن حبان قال: «المثنىٰ بن حارثة كان سيدًا في الجاهلية»، وقال أبو عبيدة مَعمَر بن المثنى التيمي: «المثنىٰ بن حارثة الذي افتتح السواد، ساد في الجاهلية والإسلام».
وكان شيخ بني شيبان، وفي ذلك قال هانئ بن قبيصة الشيباني لرسول الله ﷺ: «المثنىٰ بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا».
ساهم في حروب الردة في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، واستطاع أن يقضي على ردة أهل البحرين، ثم تقدم إلى القطيف وهاجر، ووصل إلى نهري دجلة والفرات؛ ثم أخذ يغير على بلاد فارس.
لقاؤه بالنبي ﷺ:
قدم على النبي ﷺ في وفد قومه بني شيبان -الذي كان المثنى رضي الله عنه أحد ساداته وقادته- وكان من بين الوفد مفروق ابن عمرو، وهاني بن قبيصة، والنعمان بن شريك حيث عرض النبي ﷺ عليهم الإسلام، وأن يبيعوه وينصروه، وتلا عليهم بعض الآيات الكريمة من القرآن الكريم، فقرأ:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام/ 151]
فقال مفروق بن عمرو، وقد غلبهم لسانًا وجمالًا: «والله ما هذا من كلام أَهل الأَرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه».
وقال المثنى كلامًا نحو معناه؛ فتلا رسول الله ﷺ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى…﴾ [النحل/ 90].
فقال مفروق: «دعوتَ واللّهِ يا قرشي إِلَى مكارم الأَخلاق، وإِلى محاسن الأَفعال، وقد أَفك قوم كَذَّبوك وظاهروا عليك».
وقال المثنى: «قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك، وأَعجبني ما تكلمتَ به، ولكن علينا عهد، من كسرى لا نُحدِثُ حَدَثًا، ولا نُؤْوِي مُحْدِثًا ولعل هذا الأَمر الذي تدعونا إِليه مما يكرَهُه الملوك. فإِن أَردتَ أَن ننصرك ونمنعك مما يلي بلاد العرب فعلنا».
يقصد بذلك أنهم يقبلوا الإسلام، ويبايعوا النبي، ﷺ ويمنعوه وينصروه من العرب جميعًا، لكن لن ينصروه ضد الفرس!
فانظر وتأمل وتفكر جيدًا في رد النبي ﷺ؛ رد عجب عجاب، يجدر بالمسلم أن يتخذه دستور يحاكم إليه أفعاله من صغيرها لكبيرها؛ حيث قال رسول ﷺ: «مَا أَسَأْتُمْ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالْصِّدْقِ، إِنَّهُ لاَ يَقُومُ بِدِينِ الله إِلاَّ مَنْ حَاطَهُ بِجَمِيعِ جَوَانِبِهِ».
فالإسلام عزيز، لن يقوم به من يرى في غيره العزة -ولو بشكل جزئي-، ولن يقوم به من يأخذ جزء ويترك جزء، ولن يقوم به من يرى في غيره ما هو أهدى منه، لن يقوم به إلا من يستعلي به؛ إكبارًا، وإجلالًا، وتطبيقًا، وتعظيمًا، واكتفاء، ومحبة.
أسلم المثنىٰ -رضي الله عنه- سنة تسعى للهجرة، وقيل سنة عشرة، مع وفد قومه.
من بطولاته -رضي الله عنه-:
ساهم في حروب الردة، واستطاع رضي الله عنه بفضل الله -عز وجل- وعونه أن يقضي على الردة في بعض المناطق، من بينها البحرين.
من فتوحاته -رضي الله عنه-:

عندما أسلم المثنى بن حارثة كان يغِير هو ورجال من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الصديق أبا بكر، فقال عمر: «مَنْ هذا الذي تأتينا وقائِعهُ قبل معرفة نسبه؟»
فقال له قيس بن عاصم التميمي: «أما إنه غَيْرُ خامل الذّكر، ولا مجهول النسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل الغارة، ذلك المثنّى بن حارثة الشّيبانيّ».
ولم يلبث المثنىٰ أن قدم على المدينة المنورة، وقال للصديق: «يا خليفة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ابعثني على قومي؛ فإن فيهم إسلامًا؛ أقاتل بهم أهل فارس، وأكفيك أهْلَ ناحيتي من العدوّ».
ففعل ذلك أبو بكر، فقدم المثنى العراق، فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحي السّواد حَوْلًا مُجَرَّمًا، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد، ويقول له: «إن أمدَدْتني وسمعَتْ بذلك العرب أسرعوا إليّ؛ وأذلَّ الله المشركين، مع أني أخبرك يا خليفة رسول الله ﷺأن الأعاجمَ تخافنا وتتّقينا».
فقال له عمر: «يا خليفة رسول الله ﷺ، ابعث خالد بن الوليد مدَدًا للمثنى بن حارثة يكون قريبًا من أهلِ الشّام؛ فإن استغنى عنه أهل الشّام ألحّ على أهل العراق حتى يفتح الله عليه؛ فهذا الذي هاج أبا بكر على أن يبعث خالد بن الوليد إلى العراق».
كان الخليفة عمر بن الخطاب يسمِّيه (مؤَمِّر نَفْسه)
وفاته رضي الله عنه:
عندما تولى عمر بن خطاب -رضي الله عنه- الخلافة؛ أمد المثنىٰ -رضي الله عنه- بجيش عليه أبو عبيد بن مسعود الثقفي -رضي الله عنه-؛ فكانت وقعة “قس الناطف”، وقُتل أبو عبيد -رضي الله عنه-، وجُرح المثنى -رضي الله عنه-؛ فأمده عمر -رضي الله عنه- بجيش يقوده سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
وشهد المثنى بن حارثة الشيباني -رضي الله عنه- عدة وقائع بعد شفائه، فانتقضت عليه جراحته، فمات المثنى -رضي الله عنه- قبل وصول سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- إليه، فاستشهد المثنى بن حارثة الشيباني -رضي الله عنه- سنة أربع عشرة قبل القادسية.
من خطبه -رضي الله عنه-:
حين رأى تباطؤ المسلمين في الجهاد؛ خطب فيهم خطبةً فقال: «أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه؛ فإنا قد تبحبحنا -أي تمكنا من فتح – ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، واجترأنا من قبلنا عليهم، ولنا إن شاء الله ما بعدها»
من أشعاره -رضي الله عنه-:
«سألوا البقية والرماح تنوشهم
شرقى الأسنة والنحور من الدم
فتركت في نقع العجاجة منهم
جزرا لساغبة ونسر قشعم».
فرضي الله عنه وعن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.








