ثوبٌ أبيض؛ رسالةٌ تُكتب من حافةِ الغياب، حيثُ يتحوّلُ القبرُ من حفرةٍ موحشة إلى مدينةٍ صامتة، ويغدو الموتُ مرآةً يرى فيها الإنسان هشاشته الأخيرة.
إلى الشابةِ الصغيرة (ر)
قبل أن تنهال على عقلك ذرّات التساؤلات، دعيني أخبرك بأن هذه الغرفة تبدو ضيقة، نوافذها صغيرة وسقفها من الخشب، تملأ الرطوبة ملامح جدرانها. لا توجد دورة مياه خارجية، حتى المطبخ متصل بالغرفة ذاتها، هُناك صوت لصدى حنجرة الهواء تتنفس على مسام وجهي، هواءٌ حار يفتح كل ذرة في ملامحي وتنام تحت طياتها. الغريب أني هُنا لا أشعر بالجوع، وتقول المرآة بأن جسدي نحيل جدًا ولا أشعر بذلك أيضًا. تتسلل الحرقة إلى قلبي كلما نظرت إلى صورتي القديمة. كيف يُصاب الوقت بالشيخوخة المُبكرة؟
سيدتي أشعرُ بالوحدة ولكني لا أرغب بأن يزورني أحد، لا تصدقي هذا العذر يا (ر) غرفتي لن تتسع لجسدٍ آخر، ولكني حاولت فتح ثقب صغير في الجدار الجاثم أمامي، أحاول سماع صوت العابرين؛ حتى لا أنسى همساتهم كما نسيت أشكالهم.
عزيزتي (ر) أبدو مرهقًا هذا الصباح، حتى البهجة تطل مبللة بدم الساعات، حاولت ذبح الوقت وبدأت بعمل عدة أمور قد تكون مسلية بعض الشيء…
حضرت القهوة، ورتبت مظهري المبعثر على زجاج النافذة، لا أعلم كم الساعة ولكن حين نظرت إلى خصلات الشيب المحتلة جمجمتي آمنت بأن كُل دقيقةٍ تمر من أمامي تسقط من بستان عمري.
صديقتي (ر) كل شيءٍ هنا بلون العظام، حتى قلمي يبدو عظمًا أعجف لا يتحمل الضغط، البرد يتسلق صدر غرفتي ولكن الغريب أني أراه ولا أشعر به أبدًا!
أعتذر منك يا (ر) أطلت الحديث عن نفسي ونسيت أن اسألك عنك.
كيف حالكِ يا عزيزتي؟ كم بقي لك من الطريق لتصلي إليّ؟
أنا أشعر ببعض الغرابة في هذا المكان، ربما لا يعجبك أبدًا، ولكن لا بد أن تزوري هذه المدينة وتضعي رحالك على خد دقائقها…
لدي طلب قبل أن تغادري منزلك، لا تنسي أن تضعي بعضًا من الخبز الجاف والماء للطيور التي تزور منزلك كل صباح، أخبريها أنّ هذه رسالتي إليها.
عباءة الصمت بدأت تخنقني، وما يخفف هذا الألم هو صوت التسبيحات. صدقيني الليل في هذه المدينة مختلف، تسمعين أصواتًا كثيرة، وحدهُ صوت الدعاء من يكون حاضرًا كموسيقى عذبة تشفي الأرواح.
نسيت أن أخبرك بأن من يسكن هنا خالٍ لا يملك إلا جسدًا خاويًا. الروح لا مكان لها بيننا. كما أن الضباب هُنا يملأ المنزل بالتجاعيد، الشمس لا تشرق يا (ر) الظل مات منذ زمن، ذاكرتي تجهض الأسماء، وتقوم ذكرياتي بمأتم مُفعم بالبكاء، هُنا عرفت بأن الحزن وليمة تشارك في نهشها جميع أعضاء الجسد ولا يخرج منها أحد ببطن جائع.
عزيزتي، نسيت أن أخبركِ بأنّه لا داعي لحمل حقيبة معك، فقط ثوب أبيض فضفاض، أشعر بأن النهار قد ألقى ثوبه على السماء، القهوة تخمرت أخيرًا ولكني لا أشتم إلا رائحة تراب، خطوات تقترب وزفير الممرات مسجور تحت قفصي الصدري، يدا الليل طويلتان جدًا، وجسدي الصغير يتوه في أحضانها. وأخيرًا ها أنا أتوضأ بدلو من بئرِ النسيان؛ لعلي أترك لكِ بعض الغموض للتعرفِ على ما تبقى لوحدكِ.
صلي كثيرًا يا (ر) هذه الغرفة تحتاج الكثير من الصلوات، لا تنسي أن تضعي ساعتكِ في معصم يديك؛ حتى لا تموتي حسرة على معرفة الأوقات.
آه، نسيت بأن الغرفة هنا لا تتسع إلا لجسدكِ الصغير.
“رسالة من داخل القبر”
من صديقكِ الذي هاجر قبلك (أ)










