“ما ودّعك ربك… حكاية جبر لا يُنسى”

|

ما ودّعك ربك… حكاية جبر لا يُنسى «إنّ الله إذا جَبَرَ أدهش، فجبر الله لا يأتي عاديًا أبدًا…»

تسألني إحدى المؤنسات قائلةً: «هل يشعر أحدُنا باستجابة دعوته في تلك اللحظة تمامًا؟»
أجبتها: «ربما… ولكن ما ذاك؟»
قالت: «تكالبت عليّ الهموم، وغلبتني نفسي وهواي، وهل هناك ظلمٌ أشدّ من ظلمنا لأنفسنا؟ فتوضأتُ، وفرشتُ سجادتي، وكبّرتُ، وقرأتُ الفاتحة، ثم شرعتُ في قراءة سورة الضحى.
وتوقفتُ عند قوله تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.
لم أستطع تجاوزها… رددتها مرارًا، ما شاء الله لي أن أرددها… كنتُ أرددها لي أنا، وكأنها تُحدّثني وتواسيني، وتخبرني أني لم أُترك، ولم أُودَّع، ولم أُوكل إلى نفسي طرفة عين… كأن الله يخبرني أني في عنايته ومعيّته.»

تقول: «ما إن هبطتُ ساجدةً، حتى سقط حملٌ ثقيلٌ كان جاثمًا على صدري ومثقلًا روحي. فدعوتُ بما شاء الله لي أن أدعو، ومن بين تلك الأدعية كان دعاءٌ دعوتُ به بحرقة: أن يأخذ الله بيدي إليه.»
ثم أضافت: «سبحان الله! نزل على قلبي اطمئنانٌ عجيب، وراحةٌ نفسيةٌ لا توصف… رغم ضيق تلك المساحة التي احتوت سجودي، إلا أنها كانت واسعةً جدًا في روحي.»

وَلَمّا قَسا قَلبي وَضاقَت مَذاهِبي
جَعَلتُ الرَجا مِنّي لِعَفوِكَ سُلَّما
تَعاظَمَ ذنبي فلمّا قرنتُهُ
بِعفوِكَ، كانَ عفوُكَ أعظَما

«ونمتُ تلك الليلة قريرةَ العين… وما هي إلا بضعة أيام حتى تعرّفتُ على مجموعةٍ من الأخوات، أخذن بيدي إلى جنان الدنيا قبل الآخرة.
مجالستهن طبطبةُ روح، وتربيتةُ قلب، وجبرُ خاطر.
لقد دعوتُ الله أن يأخذ بيدي، فإذا به يرسل إليّ أخوات: ﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾.»
ثم تنهدت قائلةً: «ربي كريم… وكريمٌ جدًا. لقد أكرمني، وأعطاني أضعافَ أضعافِ ما دعوت.
كل ما كنتُ أرجوه تلك الليلة غصنٌ أتشبث به، فإذا به يهبني شجرةً مليئةً بالغصون؛ جذورها تحتضن الأرض، وأغصانها تعانق السحاب…
ها أنا أقطف من ثمارها اليانعة، وأستظل بظلها.»
«وأرجو من الله أن يصنعني على عينه… فأنا حقًا أريد أن أكون غصنًا من تلك الشجرة الوارفة…
غصنًا: يكون سهامًا تُرمى بها أعداء الملة، وأراجيحَ تأخذ بقلوبنا إلى اعالي السماء، وتُخرج الطفل الذي بداخلنا من حينٍ لآخر، ومقاعدَ يستريح عليها المتعبون، وسفنًا نبحر بها إلى شط الأمان، وتوابيتَ تحفظ أسرارنا، وأبوابًا إلى عوالم لم نلجها من قبل، ونوافذَ تُطل على رياض الله في الأرض…»
انتهى كلامها…
فقلتُ: «سبحان الله… إذا أراد الله أن يأخذ بيدكِ، ألهمكِ آيةً أو سورةً، ولم يكن ذلك محض صدفة، بل لحكمةٍ يعلمها سبحانه… فتدبّري.»
«وربما تكون عبادة ما — وليس شرطًا أن تكون في الصلاة — قد تكون صدقة، أو زيارة مريض، أو كلمةً تقولينها لتائه او استشارة… فيُجري الله على لسانكِ كلامًا يكون سببًا في هدايته أو مواساته.
فلا تتكبري، ولا يُصِبكِ الغرور أو العُجب… فأنتِ — والله — مسكينة لولا فضل الله عليكِ:
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾»
إنها قدرة الله في استعمالكِ، وجعلكِ سببًا… لا أكثر.
فإيّاكِ إيّاكِ والاغترار، وليكن لسان حالكِ:
واللهِ لو علموا قبيحَ سريرتي
لأبى السلامَ عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملّوا صحبتي
ولبُؤتُ بعد كرامةٍ بهوانِ
لكن سترتَ معايبي ومثالبي
وحلمتَ عن سقطي وعن عصياني
فلك المحامدُ والمدائحُ كلُّها
بخواطري وجوارحي ولساني

وكما قال ابن القيم رحمة الله:
«واعلم أنك مملوكٌ ممتحنٌ في صورةِ مالك مُتَصرِّف..»
أنتِ ملكٌ لله… وهذا امتحان لكِ: هل تُحسنين التصرّف فيما أنعم الله به عليكِ؟
«فالله أرسل لكِ هذا الموقف… فاعتبريه عبادة — بل هو عبادة.
ومن شروطها: الإخلاص لله، والصدق معه، والتوكل عليه، والتواضع له، والرحمة بعباده الذين ساقهم إليكِ…
وقبل هذا: رحمةٌ بكِ… إذ جعلهم سببًا في جني ثمار طاعته، ورفع رصيد حسناتكِ.»
فبالله عليكِ… لو هتك الله الستر عنا، هل سنطيق بعضنا ؟ ونقتدي ببعض؟
يظنّ الناس بي خيرًا وإنّي
لَشَرُّ الخلق إن لم تعفُ عنّي…

«فبعد كل دعوةٍ دعوتِ الله بها… انتبهي للموقف الذي يليها، فربما كان هو باب الفرج بإذن الله.»
«وقد تجنين ثمار دعوتكِ وتلمسينها، وقد لا تلمسينها؛ لفهمكِ القاصر، وبصيرتكِ المحدودة، وإدراككِ الضيق… فلا تقولي: لم يُستجب لي، ولا تيأسي. فهو سبحانه أعلم بحالكِ منكِ؛ فإما أن يستجيب لكِ، أو يدّخر لكِ الأجر في الآخرة، أو يدفع عنكِ شرًا كان سيصيبكِ.»
«فجبر الله… لا يأتي عاديًا أبدًا.»

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة