أحبُّ أذانَ الفجر كثيرا، أحبُّ ذلك النور الذي يتسلل إلى صدري حين أسمع المؤذن ينادي: «حي على الفلاح» أتلمس معناها، أغوص في اللفظ حرفًا حرفًا، إنه نداء من الله إلى فلاحك، إلى صلاحك، إلى نجاتك. وقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: «حي على الصلاة معناه تعالوا إلى الصلاة وأقبلوا إليها، ومعنى حي على الفلاح هلمّوا إلى الفوز والنجاة، وقيل إلى البقاء؛ أي أقبلوا على سبب البقاء في الجنة».
تخيل فقط! أنت تُدعى إلى سبب فلاحك، تُنادَى إلى نجاتك، وقد بَيَّن الله لك السبل، ووضع لك الطريق، ورسم لك معالم النجاة، وما تركك تتخبّط بلا هدى.
ثم وقفتُ مع معنى إجابة السامع لنداء المؤذن، فوجدت مما قيل فيها: «أمَّا قَولُه: حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلاحِ، فمَقصودُهما الدُّعاءُ إلى الصَّلاةِ؛ لأنَّ معناهما: هَلُمَّ إلى الصَّلاةِ، هلُمَّ إلى العمَلِ، وذلك يحصُلُ مِن المُؤذِّنِ، فعُوِّضَ السَّامعُ عمَّا يَفوتُه مِن ثَوابِه بثَوابِ قَولِه: لا حوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله. وقيل: إنَّ السَّامعَ يقول: لا حوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ في هذا الموضعِ؛ لأنَّ الحَيْعَلَتَينِ معناهما: هلُمَّ بوجْهِك وسريرتِك إلى الهُدى عاجِلًا، والفوزِ بالنَّعيمِ آجِلًا؛ فناسَبَ أن يقولَ: هذا أمرٌ عظيمٌ لا أستطيعُ مع ضَعْفي القيامَ به، إلَّا إذا وفَّقني اللهُ بحَوْلِه وقوَّتِه».
تأمل جيدا، المؤذّن يُناديك: تعالَ إلى الصلاة… تعالَ إلى الفلاح.
وأنت تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
كأنّك تعترف من أعماقك بعجزك، وكأنك تقول: يا رب لن أستطيع أن أُقيم الصلاة، ولا أن أصل إلى الفلاح، ولا أن أنجو بنفسي، إلّا إذا أعنتني أنت، وقويتني أنت، ورفعتني بحولك أنت.
هذا هو سر الأذان… أن يُنادى عليك، ثم تُلهم أن تقول: لا أقدر إلا بك. فتستيقظ روحك قبل أن يستيقظ جسدك..
إن التفكر في الأذان نعمة عظيمة؛ نعمة تمسح على قلبك المتعب بيدين من لطف، وتذكرك أن أول الفجر ليس وقتًا عابرًا، بل لحظة تُفتح فيها أبواب السماء لمن أراد أن يبدأ يومه بالله، ومع الله، وإلى الله.










