رداء التقوى… وسخرية المنصات

|

رداء التقوى… وسخرية المنصات؛ على مدار الأيام الفائتة، رأيتُ منشورات لأناس يُعرفون بأنهم من أهل الالتزام والتدين وغير ذلك.

حاولتُ أن أثني نفسي عن التجاوز عن هذه الأمور، لكنّها أبت عليّ إلا أن أكتب، حتى وصلت إلى هذه المرحلة، لتخرج لكم حروفي هذه، وهي موجّهة لفتياتي الحبيبات.

بدايةً، فقد تكرر أمامي هذا الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى الآن لا أعرف سبب من يفعلونه.

رأيتُ منشورات عديدة فحواها السخرية والضحك. يا ترى، ما السبب يا إخوتي؟ وما موضوعهم هذا اليوم؟

الموضوع ببساطة، إن اختصرته في كلمتين، فهما: “التشدد” و”لباس رداء التقوى”.

المنشور الأول: فتاة تستهزئ بفتيات مثلها، ليس على لسانهنّ سوى: “خصّصي يا عيوني، خصّصي يا حبيبي”، ثم أصدرت الحكم بعدما نصّبت نفسها محكمة، محكمة رأيها بالطبع.

قالت: إنهنّ ملتزمات متشدّدات. وكما هو معروف، انهالت عليها التعليقات بالتأييد؛ فمواقع التواصل الاجتماعي يا عزيزتي قد أعطتكِ حرية الرأي والتأييد، سواء كان رأيًا مبنيًّا على أساسٍ صحيح أم لا.

المهم، أن هذا الشخص يرى رأيه صحيحًا طالما وجد مؤيدين له. فكما هو معروف منذ الأزل، السائر وحده في الطريق يشكّ في صحة الطريق.

على العموم، لنعد إلى موضوعنا الأصلي.
نحن نعرف جميعًا حرمة نشر صور النساء على مواقع التواصل الاجتماعي، ونعرف سبب ذلك.
وأنا قلت “صور” وليس “صورتكِ أنتِ” يا فتاة، أي قصدتُ بها سواء نشركِ لصوركِ أو صور غيركِ.

لذا تقول لكِ الفتاة الحريصة: “خصّصي”، لأنها تحبكِ وتخشى عليكِ، وحتى يكون منشوركِ في مساحة آمنة، يُتاح لكِ فيها الحديث وأنتِ بين بني جنسكِ كما تشائين.

طيب، لمَ هؤلاء الفتيات الحريصات -كما تقولين- يطلبن التخصيص على منشورات أخرى يرى الجميع أنه لا يجب فيها التخصيص؟

أقول لكِ: عند ذكر “الجميع”، فليس شرطًا أن يكون الجميع على حق.

ماذا أقصد بهذا؟
أقصد أن الفتاة تُعرف بوقارها وحيائها ورزانتها وسط كل غريب، وتتكشف جوانبها الأخرى مع كل قريب. وطالما جعلتِ حسابكِ عامًا للجميع، فلتعرفي حدودكِ وحدود دينكِ بناءً على ذلك.

صحيح أن الفتاة قد تنشر منشورًا تقول فيه: “لا يغرّنك ما ترينه مني على مواقع التواصل، فأنا في الحقيقة كذا وكذا”.
لكنها نسيت أن الأيدي ستشهد، والعين ستشهد، وأن الله فوق كل ذلك رقيب، وأن كل إناء ينضح بما فيه.

أتفهم أن وسائل التواصل قد زرعت بداخلكِ نوعًا من التحرر، ولكن لا تنسي قبل كل ذلك: أن الله يرى، ويسمع، ويشهد.

كما قلتُ سابقًا، حرصكِ وورعكِ عند كل كبيرة وصغيرة، وتحفّظكِ في بعض الأمور في الواقع أو على المواقع، ليس تشدّدًا، ولستِ ممن أتين بدين جديد.

من منّا ليست لديه جوانب متعددة؟ البعض يُظهر كل جوانبه لكل غادٍ ورائح؛ فيُطلق عليه لقب “الطيّب”. وآخر فطن يصنّف جوانبه، فيُظهر منها ما يناسب الوقت والمكان ومكانة من سيراه.

ويحضرني في هذا قول أمّنا عائشة رضي الله عنها: «كنتُ أدخل بيتي الذي فيه رسول الله ﷺ، وإني واضعةٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر رضي الله عنه معهم، فوالله ما دخلتُ إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي حياءً من عمر». رواه أحمد.

فلو فعلت هذا الفعل امرأة من زماننا هذا، لقيل عنها “مُتشدّدة”، فكيف وقد أقدمت عليه أمّ المؤمنين، من خيرة نساء أفضل الأزمان؟

لذا؛ ليس شرطًا أن يكون ما يفعله الجميع هو الصحيح، ولا ضير إن أظهروكِ غريبة، أو شعرتِ بغربة الطريق. وأن تعيشي غربة النفس والأهل والناس، خيرٌ لكِ من أن تسيري خلف القطيع وتكوني إمّعة.

ورحم الله امرأةً عاشت في زمن الصحابيات وإن لم تعش، وعلى نهجهنّ تسير، لا يغريها نور الذباب في الطريق.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة