النساء بين المظلومية والتطرف ابتدأت الحركة النسوية يومًا كبذرة عادلة، خرجت من رحم أوروبا المثقلة بالظلم، حين كان الرجل يستطيع أن يلجم فم زوجته بضربة، أو يبيعها في الأسواق كما تباع الدواب، وحين كانت الكنيسة والتقاليد تضع حول عنق المرأة قيدًا مزدوجًا: قيد الخضوع الأعمى، وقيد الاتهام الأبدي بأنها أصل الخطيئة، وسبب خروج آدم من الجنة، وأن آلام الحمل والولادة عقوبة سماوية لا نعمة يُحتفى بها.
في تلك العصور القاتمة، كانت ولادة طبيبة أو كاتبة أو تاجرة حدثًا استثنائيًا يشبه المعجزات! فكانت المرأة في أوروبا رمزًا للمظلومية، حتى جاء الزمن الذي أدركت فيه النساء أن الصمت قبر، فرفعن أصواتهن، وقاتلن لأجل كرامتهن، وكنّ محقات في ذلك. انعكس ذلك النضال لاحقًا في الأدب والفن والسينما والأنمي، وامتد إلى شرق آسيا، كوريا واليابان وغيرهم، ليظهر كم كان طريق المرأة شاقًا وشائكًا.
وعلى النقيض تمامًا، كانت الشريعة الإسلامية منذ لحظاتها الأولى نورًا يحفظ للمرأة مقامها الكريم.
كانت الشفاء بنت عبد الله طبيبة يشار إليها بالبنان في زمن النبوة، ونساء الأندلس شاعرات وعالمات في الحساب والفلك، ونساء المسلمين فارسات وتاجرات وفقيهات، للمرأة ذمتها المالية المستقلة، وحقها في التعليم، والبيع والشراء، والإرث، وحقها في طلب الطلاق أو الخلع إذا ظُلمت.
وكان الرجل في منظومة الإسلام حارسًا للحب، يبذل دمه دفاعًا عنها، لا سيدًا يملك رقبتها، وكانت المرأة تبذل له روحها حبًا عن طيب خاطر.
غير أن الأفكار العادلة تنحرف حين تخالطها السياسة والمال. دخلت الرأسمالية على خط دعم النسوية، لا حبًا في النساء؛ بل حبًا في الأرباح، فصارت النساء قوة اقتصادية تُدفع إلى سوق العمل لا لكرامة أو لتحسين الدخل المعيشي؛ بل ليتضاعف الإنتاج المالي، ومن أوضح الأمثلة على أن الأهداف رأسمالية: السجائر، كانت دخانًا خبيثًا خاصًا بالرجال، ثم جعلوه رمزًا (للتحرر النسائي) في حملات تسويقية مدروسة، فصاروا يقولون للمرأة:
“استقلي، تحرري، أشعلي سيجارة كالرجل”، رغم أن التدخين لم يكن يومًا فضيلة للرجل أصلًا، ولا شرفًا لأحد، بل هو سمّ يقتل الجسد ويهلك الروح، ومثلها الحرية الجنسية؛ ففتحوا سوق الدعارة والمتعة المحرمة لأن فيها مليارات الدولارات، وحتى الأمراض الجنسية أصبحت صناعة طبية تدر أرباحًا هائلة، ثم تحولت النسوية من نضال نبيل إلى صراع حاد، ترى في الرجل عدوًا بالضرورة، وتحمله مسؤولية كل شرور الأرض: الحروب، الجرائم، الفساد، وتجاهلت أن النساء شريكات أيضًا في عوالم الجريمة المنظمة، وأن الشر لا جنس له ثم تبنت النسوية ما سمّته الدفاع عن كل” مستضعف”، فدعمت الشذوذ والتحول الجنسي، والتمرد على الفطرة، حتى انشطرت الفكرة الأصلية إلى وحش مشوه، وحين ضاق الرجال ذرعًا، ظهر تطرف مضاد: حركات ذكورية كـ “الريد بيل”، تدعو علنًا إلى إهانة النساء، واحتقارهن، وربما اغتصابهن وقتلهن، ففاقت النسوية غلوًا، وتحول المجتمع إلى معركة مفتوحة، وفي عالمنا الإسلامي، ذقنا مرارة الاستعمار، وانهارت أسس العدل، وبقيت القشور وحدها.
غاب التطبيق الراشد للشريعة، وبقي الاسم دون روح، أصبحت الأحكام تُطبق على النساء وحدهن، بينما الرجال خارج الحساب… الرجل لا يعيبه الزنا، والمرأة تُسلخ روحها إن أخطأت، الطلاق وصمة عار عليها، والبنت تُقتل باسم الشرف بلا شهود ولا قضاء، فالأسرة هي هيئة المحلفين والجلاد، المرأة تعمل حتى تنكسر، والرجل يتنصل، أو ينهار المجتمع في الفقر رغم عمل الطرفين، فتتحطم المنظومة كلها.
وهكذا تبنت بعض المسلمات الفكر النسوي الغربي، صعدن سلمه حتى التطرف، ثم تبنى بعض الرجال الذكورية المتوحشة، وصرنا ندور في الحلقة الجهنمية ذاتها: امرأة تكره الرجل، رجل يكره المرأة!
وكلاهما يصرخ منتصرًا… بينما المجتمع يُسحق!
فإن تفككت الأسرة، وهي لبنة الأمم، فمن سيبقى ليحمل الطين ويبني الحضارة؟ كيف ستولد أجيال سوية في أرض تمزقها المعارك بين الجنسين؟ وكيف يصنع مستقبل أمة قلوبها لا ترى في بعضها إلا العدو؟
إن لم نعد إلى ميزان العدل والرحمة والشرع، ستأكل النار الجميع.










