بي يظن كثير من الناس أن مجرد وقوع البلاء -كالمعارك والحروب- على العبد طريق مضمونة للنجاة، وأن المصيبة بذاتها تزكية من عند الله، غير أن موازين الرب جل جلاله أدقّ وأعدل وأعظم من ذلك؛ فهل يكفي الابتلاء ليكون الإنسان ناجيًا؟ أم إن للنجاة أبوابًا أخرى؟
الحقيقة: لا، فليس مجرد وقوع البلاء على المرء كافيًا لرفع الدرجات، وإنما ما يرفع الدرجات ويمحو السيئات عند حصول الابتلاءات هو الصبر والاحتساب والعمل الصالح، فيكون حاله حال أي مسلم مبتلى في هذه الدنيا، يرجو ثواب الله ويخاف عذابه.
قال رسول الله ﷺ: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له.
” لكن أتعلم ما المصيبة الكبرى وثالثة الأثافي؟
هي أن يُعصى الله وقت المصائب والمحن!
كما قال النعمان بن بشير رضي الله عنه: “إن الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء.”
فقلّما تجد نفسًا مكسورةً بالألم لا تلين، أو قلبًا موجوعًا لا يرقّ… بل إن النفس في لحظات الشدائد والانكسار والمرض غالبا ما تكون بفطرتها: سماويةَ الوجهة، وأكثر قربا من خالقها!
حينها تتحوّل المصائب إلى ماء يطهر رجس الذنوب، ويرفع مقدار الأجور عند الله!
أما أن يُصرّ الإنسان على المعصية متمردًا متسخطًا وهو في قلب البلاء، فهي مصيبة فوق مصيبة، تستوجب بكاء القلب قبل العين!
وهذا لا يعني أن المعصية في زمن النعم أخفّ خطرًا، أو أهون شأنًا، فالمعصية في كل وقت عظيمة، ولكن معصية المبتلى أشد خطرًا؛ لأن حاجته إلى الله أكبر، وابتغاء رجوعه إليه أعظم.
واعلم أن وجودك فوق أي أرضٍ مبتلاة، لا يمنحك صكَّ غفران… فديننا لا يعترف بصكوك الغفران، ولا يُقيم الموازين على الأسماء، ولا على الأوطان، بل على الإيمان والعمل والتقوى.
ومن باب الدين النصيحة:
- لا تدع شياطين الإنس والجن يوهموك أن القصف، ووابل الرصاص ودوي المدفعيات، هي التي تزكّي الإنسان! وإنما الذي يزكيه عند الله هو عمله الصالح وما يقوم في قلبه من خوفٍ من الله، وتعظيمٍ له، وصدقٍ معه، وتوبةٍ إليه.
غير أن أي أرض مسلمة وقعت تحت بلاء الحروب هي في الحقيقة جزء من جسد الأمة الممزق… ولا تمايز بينها والمؤمن أخو المؤمن في كل مكان، فجراح المسلم في فلسطين، هي جراح المسلم في السودان، في كشمير، الإيغور، الروهينغا… كلهم سواء.
البلاء يُوجب الخوف من الله، لا التجرؤ عليه.
ويُوجب محاسبة النفس، لا تعطيل الضمير.
ويُوجب الرجوع إلى الله، لا الهروب منه.
ثم، ألم يُبتلَ النبي ﷺ وصحابته؟ ذاقوا الجراح، والجوع، والحصار، ومع ذلك لم يكن البلاء يومًا مبررًا للمعصية، بل كان دافعًا قويا لمزيد من الطاعة.
أخيرًا… تذكروا أن باب التوبة مفتوح، فبادروا بالرجوع إليه، لعل الله يكتب لكم نصرا وتأييدا وفرجا… فاللهَ اللهَ في دينكم… اللهَ اللهَ في علاقتكم بربكم.
نسأل الله فرجًا ونصرًا وفتحًا مبينًا لأمتنا عاجلا غير آجل.










