كنتُ قد قرأتُ كتاب “لماذا أصبحنا نحب أشرار السينما”، ووجدتُ فيه أطروحاتٍ تستحق الاحترام؛ وافقتُ بعضها، وخالفتُ غيرها. غير أنّني، مع ذلك، لم أستطع تجاهل سبب آخر أراه أكثر خفاءً وأشدّ أثرًا، سبب لا يتعلّق بالشرير وحده، بل بالطريقة التي صُوِّر بها البطل نفسه.
لقد صاغت السينما الحديثة بطلًا يتبنّى مثاليةً مُشوَّهة: تسامحًا بلا حدود، بطل منزوع الغضب، بلا فطرة، بلا حدٍّ أدنى من ردّ الفعل، يتلقّى الضربات، يُغتَصب حقّه، يُقتل أحبّته، ثم يبتسم ويُطالَب — لا بالصّبر — بل بإلغاء حقه أصلًا، فيبتسم ويقول:
” أنا أفضل من ذلك.”
وهنا تقع المغالطة الفلسفية الكبرى: الخلط بين الرحمة وإلغاء العدل، وبين العفو وإنكار حقّ المظلوم.
الفطرة الإنسانية — كما أدركها الإسلام بعمقٍ نادر — لا ترى التّعارض بين العدل والرّحمة، بل ترى أن العدل شرط الرحمة، لا نقيضها. ولهذا جاء القصاص في القرآن لا بوصفه شهوة انتقام، بل ضمانًا للحياة ذاتها:
{ وَلَكُم فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلبابِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ }[ البقرة: ١٧٩ ]
آية مدهشة في دقّتها؛
لم تقل: ” ولكم في القصاص دم”،
ولا “غضب”،بل حياة؛
لأن النفس حين تعلم أن هناك حدًّا، تتوقّف.
والشرّ حين يدرك أن هناك ثمنًا، ينكفئ.
أما حين يُقدَّم الخير على أنّه تخلٍّ كامل عن الحق، فإننا لا نصنع سلامًا، بل نُراكِم غضبًا خامًا. غضبًا يدفع المشاهد — لا شعوريًا — إلى الانحياز للشرير؛ لأنه يرفض التنازل عن حقّه، حتى وإن أخذه بطريقة وحشية.
وتنشأ هنا معضلة أخلاقية خطيرة:
فالسينما توحي بأن الإنسان لا يستطيع استرداد حقه إلا بالجور، وأن رفض الظلم يعني الاستسلام،
وأن أخذ الحق بالعدل — النفس بالنفس — يُصوَّر كوحشية لا تُحتمل!
وهكذا، إذا رفض الإنسان أن يكون ظالمًا، طُلب منه أن يكون مستسلمًا.
وإذا طالب بحقه، صُوِّر كمسخ.
فالسينما، في كثير من الأحيان، تضع الإنسان أمام خيارين زائفين: إمّا أن يتنازل عن حقه فيكون” فاضلًا”،
أو أن يستعيده بالجور فيُقدَّم “وحشًا”.
كأنما لا سبيل إلى الحق إلا بالإبادة،
ولا سبيل إلى الفضيلة إلا بالاستسلام.
لا تطرح السينما خيار استرداد الحق بالعدل، وإن حدثت يتم اظهار البطل كشخص تخلى عن مبادئه.
ومن هنا نفهم سرّ ميل بعض المشاهدين إلى الشرير السينمائي:
لأنه — رغم تناقضه — الوحيد الذي يتصرّف،
الوحيد الذي يغضب، الوحيد الذي يعترف بأن الظلم يولّد نارًا، لا تأمّلًا صوفيًا هادئًا، ليس حبًّا في شرّه، بل رفضًا لمثاليةٍ تستفزّ المظلوم، وتُطالبه بأن يكون وليًّا صالحًا فوق الجراح.
والتسامح — في حقيقته — ليس أخلاقًا، بل قسوة متنكرة في ثوب الفضيلة، بل هو التجسد التام للشر.
الإسلام، في مقابل ذلك، يقدّم ميزانًا بالغ الحكمة: لا يُقدّس الانتقام الأعمى،ولا يفرض تسامحًا قسريًا.
بل يفتح ثلاث دوائر واضحة: العدل أولًا،
ثم العفو إن قُدِر عليه،
ثم الرضا أيًا كان الخيار.
قال الله تعالى:
{ وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلّا بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصورًا }[ الإسراء: ٣٣ ]
أعطاه سلطانًا،
ثم قيّده بـ {فلا يُسرف}.
عينٌ بعين،
لا عينان،
وصاعٌ بصاع،
لا صاعان.
هنا تتجلّى عبقرية الميزان القرآني: غضبٌ له سبب،
وعدلٌ له حدّ،
وحقٌّ لا يتحوّل إلى فوضى.
وهذا هو الخيار الذي تتجاهله السينما عمدًا: العدل الغاضب المنضبط.
حين تُلغى هذه المنطقة الوسطى، تُربك البوصلة الأخلاقية؛
فيُقدَّم العدل قسوة،
وتُقدَّم القسوة بطولة،
ويُترك الإنسان تائهًا بين إفراط وتفريط.
والحقّ — كما نعلم — ليست في الطرفين،
بل في الطريق الضيّق بينهما؛
الطريق الذي لا تحبّه الكاميرات،
لأنه لا يخدم دعاية،
ولا يُسوّق أيديولوجيا،
لكنه وحده يحفظ إنسانية الإنسان.
وفي هذا التيه السينمائي، يبقى على المشاهد الواعي أن يستعيد ميزانه، وألّا يسمح للصورة أن تصادر المعنى.
قاتِل عن حقّك…
لكن لا تظلم.
القصاص فكرة مرعبة لمن بنى تاريخه على الإفلات من الحساب. السينما الغربية لا تكره القصاص لأنه “عنيف”، بل لأنه ذاكرة، والذاكرة عدوّ الإمبراطوريات.
القصاص يقول ببساطة: ما فعلتَه سيعود إليك، وما زرعته ستحصده، والدم لا يذوب في مونتاجٍ جميل ولا في موسيقى حزينة.
كيف لمن استعمر القارات، وأباد الشعوب الأصلية، وسرق الأرض والذهب واللغة والروح، ثم أعاد كتابة القصة… كيف له أن يقول للمشاهد:” نعم، للمظلوم حق أن يقتص”؟ لو فعل، لانفرط العقد كله.
سيسأل المشاهد فجأة: حسنًا.. إن كان القصاص عدلًا،
- فماذا عن العراق؟
- وماذا عن فيتنام؟
- وماذا عن الجزائر؟
- وماذا عن فلسطين؟
- وماذا عن أفغانستان؟
وهذا السؤال وحده كفيل بإسقاط الأسطورة.
القصاص في جوهره ليس نزوة دموية، ولا محاولة لإحياء الموتى، بل هو: إعلان أن الدم ليس رخيصًا، وأن الجريمة ليست “خطأً دراميًا”، وأن المظلوم ليس مشروع قدّيس مُجبَر على الصمت.ولهذا قال الله تعالى — بدقة لا تعرف الفوضى: { وَلَكُم فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلبابِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ }[ البقرة: ١٧٩ ] لم يقل: شفاءً نفسيًا، ولا راحةً عاطفية، بل حياة. حياة للمجتمع، حياة للعدل، حياة تمنع تكرار الجريمة.










