تتمّةً لسلسلة “وقفات مع أمراض القلوب”، نتناول فيما يلي داء خطيرًا يفتك بالإيمان، ويتسلّل إلى النفوس حتى يفسدها: وهو البخل والشح .
اختلف العلماء في تحديد الفرق بينهما، ويمكن إجمال القول بأن:
- البخل: “هو أن يمنع الإنسان الحقوق الواجبة عليه.
- والشح: هو أن يمنع الحقوق الواجبة عليه، ويحرص على أخذ المال من غيره.
- بالتالي: كل شحٍّ بخلٌ، لكن ليس كل بخلٍ شحًا.”
وقد وردت نصوص شرعية تتناول البخل وتبيّن أثره على القلوب وسلوك الإنسان:
قال ربنا جل وعلا: (وَلَا یَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ یَبۡخَلُونَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَیۡرࣰا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرࣱّ لَّهُمۡۖ سَیُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ)
توعد الله الذين يبخلون بغير وجه حق بأن يكون ما بخلوا به وبالًا عليهم، فالمال الذي بخلوا به في الدنيا سيكون هو نفسه سببًا لعذابهم في الآخرة.
كم من الوقت والعمر قضوا في جمع المال وحراسته، ينقلونه من مكان إلى مكان، ومن حساب إلى آخر، يسهرون الليالي ليطمئنوا على أرصدتهم، فإذا حانت ساعة الرحيل، ذهب كل شيء، وبقي الندم حيث لا ينفع الندم!
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»
يتصارعان في القلب، ولا بد أن يغلب أحدهما الآخر!
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: “تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ”
قال ابن رجب: “يدل هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده، وإلهه.”
وقال أحد السلف: “قعدتُ مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والناس متوافرون، فأجمعوا: أنهم لا يعرفون رجلاً صالحاً بخيلاً.”
ولو تأمل كل من يجد في قلبه ميلًا للبخل هذا الحديث النبوي:
«إنَّ اللهَ يحبُّ أن يَرى أثرَ نِعمتِه على عبده»
لألقى عنه رداء البخل، ولما بخل بما أنعم الله به عليه، فما الذي يمنع العبد من إظهار شكر النعمة؟
أهو خوف الفقر؟
إنما هو خاطر شيطاني محض:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾.
أما وعد الله الكريم: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
الله أكبر! فحين ينفق العبد من ماله، لا يقتصر الجزاء على ما يُرتَّب عليه فحسب، بل يتسع فضل الله ليشمل: غفران الذنوب، رفع الدرجات، ورزقًا واسعًا، وكرمًا لا ينفد،
وفضل الله واسع…
فالبخل خُلق لا يليق بأهل الإيمان، إذ حث الإسلام على الكرم والجود والعطاء والإيثار وهو أرفع مراتب السخاء، أما البخل والشح فهما صفتان مذمومتان لازمتا اليهود – غالبيتهم – منذ القدم، فالبخل لا يورث صاحبه إلا الخسران، كما أن بني إسرائيل بخلوا بعلمهم ومالهم ولم يحصدوا إلا غضب رب السماء عليهم.
وللبخل صور ظاهرة وخفية؛ ومسالك دقيقة، لا يدركها إلا من رزقه الله بصيرة في أمراض القلوب، فكم من إنسان وقع في داء البخل من حيث لا يشعر، وهو يحسب نفسه في مأمن منه!
إن القلوب إذا اعتراها البخل قست، وإذا استبدّ بها الشح أظلمت، ولا دواء لها إلا أن تُروى بماء التوكل واليقين.
فإن قلب البخيل كصخرة تراكم عليها الحزاز: لا يلين إلا بالمطر، ولا ينقشع ما عليها إلا بماء الإنفاق في سبيل الله.
وهذا الوصف بعينه وصف الحزاز هو حال البخل في القلوب: يبدأ يسيرًا، ثم يترسخ حتى يُفتّت معاني الخير والإيمان، إن لم يُبادر صاحبه إلى علاجه بالتوكل واليقين وحسن الظن بالله!
فليكن عطاؤك مطرًا يغسل ما علق بقلبك من الشح، واسأل ربك أن يهبك قلبًا سليمًا، كريمًا، محبًّا للعطاء، فإن القلوب إذا نقت؛ فاض منها الخير كما يفيض المطر من السحاب.
أخيرا…
لا تنسَ هذا الحديث كلما طوعت لك نفسك للبخل في محل حق وواجب:
(اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فمَن لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)
(¹) الحزاز: نبات يجمع خصائص الفطريات والطحالب، ينمو على الصخور وجذوع الأشجار، حتى يُضعفها ويفتتها على مر الزمن.










