خلف الأبواب المغلقة، حيث يظنّ الناس أنّ أبناءهم في مأمنٍ من غوائل الدنيا، تدور معارك خفيّة لا تُرى بالعين، ولا يُسمع صخبها إلا بعد فوات الأوان.
تداول الناس في مصر قبل أيام قضية صبيٍّ في الرابعة عشرة من عمره، قتل صديقه البالغ ثلاثة عشر عامًا، ثم قطّع جثّته بمنشارٍ كهربائيٍّ وأخفى معالمها.
لن أُسميه “طفلًا”، إذ أن الطفولة لا تبرّر هذه الوحشية، ولا البراءة تقترن بمن يخطط ويقتل ويُخفي أثر جريمته.
ولستُ هنا بصدد الخوض في نوع العقوبة التي يستحقها، غير أني أؤمن أنه بلغ من العقل والتكليف ما يجعله مدركًا لجرمه إدراكًا تامًا، وأنّ النفس بالنفس، والجروح قصاص، فكما يُخفَّف على الصغير إن بدت منه أفعال البراءة، فإنه يُحاسَب كالبالغ إذا أتقن أفعال الكبار، لأن العدالة لا تُقاس بالعمر بل بالوعي والمسؤولية.
غير أنّ ما استوقفني لم يكن فعل القتل ذاته، بل ما صرّح به القاتل من أن خطّته كانت مستوحاة من مسلسلٍ أجنبيٍّ يُدعى Dexter.
لم أشاهد هذا العمل من قبل، لكن الجريمة دفعتني إلى استرجاع مسلسلٍ بريطاني شاهدته حديثًا بعنوان (Adolescence)، -وهو يحمل أيضًا أجندات تخالف الإسلام- وقد ظننته في البداية تحقيقًا بوليسيًّا مثيرًا، لكنه خالف توقّعاتي تمامًا؛ كان بطيئًا، ثقيل الإيقاع، لكنه شديد الوقع على الروح، إذ تناول سؤالًا موجعًا: “هل أطفالنا بأمانٍ حقًا داخل غرفهم خلف الأبواب المغلقة؟”
ذلك ما اكتشفه والدا “جيمي”، الصبيّ ذو الثلاثة عشر عامًا، المجتهد، الهادئ، العاديّ في نظر الجميع، حتى تبيّن أنه قتل زميلته بعد أن غيّرته خوارزميات الإنترنت ومحتوياته المظلمة.
هل يمكن حقًا أن يصنع الإنترنت قاتلًا؟
سؤالٌ ظلّ يتردّد في ذهني وأنا أشاهد الأب يحتضن دب ابنه المحشوة كأنه هو، يقول بانكسارٍ مفجع:
“كنت أعود متأخرًا، لكنني كنت أظن أنه بخير… هو في غرفته، ما الأذى الذي يمكن أن يصيبه هناك؟”
تكرّرت الجملة في ذهني طويلًا:
“ما الأذى الذي سينال أبناءنا وهم في غرفهم خلف الأبواب المغلقة؟”
لكن التكنولوجيا اليوم جلبت العالم بأسره إلى تلك الغرف؛ العالم بأفكاره، ورذائله، وعنفه، حتى صار الباب المغلق لا يعني الأمان، بل عزلةً مع كونٍ فوضويٍّ يهمس في العقول الصغيرة ليلًا ونهارًا.
- لقد صدم المسلسل المشاهد بطرحه الصريح لفكرٍ عنيفٍ، وعد/اءٍ جن/سيٍّ، وتحرّ/شٍ مبكرٍ، وتطبيعٍ للانحرافات النفسية، كلّها تدور في أوساط من نظنهم “أطفالًا”، بينما هم يُساقون دون وعيٍ إلى عوالمٍ تُشوّه براءتهم.
لستُ من أولئك الذين يلعنون كل جديدٍ أو يهاجمون التكنولوجيا لذاتها، فلكلّ عصرٍ إيجابياته وسلبياته، لكن غياب الرقابة، ورفع القيود باسم الحرية، جعلا من الفنّ والإعلام منصّاتٍ لعرض العنف، والس/ادية، والانحلال، حتى صار أكثر ما يُنتَج اليوم يؤثر في عقول البالغين قبل الصغار، فكيف بعقولٍ لم تكتمل بعد؟
ثم حين تقع الجريمة، تُذاع تفاصيلها بتلذّذٍ غريب: الصور، الأدوات، الدوافع، والدماء…
لكن لا أحد يُذيع العقوبة.
لا مشهد ردعٍ واحدٍ يُجمد الدم في العروق ويقول: “هذا مصير من تسوّل له نفسه.”
هكذا تُغذَّى العقول صغيرها وكبيرها بفكرةٍ خطيرةٍ:
أن لا عواقب، وأن الدم مجرّد خبرٍ مثيرٍ على الشاشات.
قال الحكماء قديمًا: “من أمن العقوبة أساء الأدب.”
وإننا اليوم نُربّي أجيالًا آمنة من العقوبة، مطمئنة إلى الإفلات،
بينما نسلّمهم طواعيةً لشاشاتٍ تُلقّنهم العنف والرغبة والسيطرة باسم الحرية والفنّ.
لا يمكننا الاتكال على الضمائر وحدها، ولا على تدينٍ هشٍّ يتهاوى أمام الإغراءات، ولا يمكن أن نثق في عالمٍ افتراضيٍّ لا يعرف حدودًا،
فنترك له أبناءنا ليملأ عقولهم بما شاء من الظلام، ثم نبكي حين يكبر الوحش بداخلهم، فإذا كانت الشاشات هي من تربي أبناءنا، والأفلام هي من تحدد مفاهيم البطولة، والألعاب هي من تُعرّفهم على الموت والدماء،
فلا عجب إن صار القتل عندهم مجرّد تجربةٍ جديدة، لا جريمة.
كلُّ إنسانٍ فينا، مهما بلغ من اللطف والرِّقة، يحمل في أعماقه وحشًا يولد معه.
قد نُحكم إغلاق سجنه فيظلُّ راكدًا لا يُرى، وقد نغذّيه من حيث لا نشعر، حتى يكبر ويُطلّ برأسه.
وما يُحدّد مصيره — موتًا أو حياةً — ليس الطبع وحده،
بل ما نُطعم به عقولنا، وما نتابعه، وما نقرؤه، وما نؤمن به في أعماقنا.










