مذكرات نسوية تائبة (3) الصدمة التي أخبرتُ بها أسرتي…
بعيونٍ دامِعة، تفكرتُ في الذكرى المشؤومة عندما تبدّلت أفكاري من حبٍ للحجاب إلى كراهيّته تدريجياً…
كان لمنشورات كراهيّة الحجاب داخل تلك المجموعة أثر كبير على أفكاري ونظرتي للدين والحياة.
لم أكُن أعرف كيف سأواجه أهلي بأفكاري الجديدة دون أن أتسبب لهم بالحزن!
اخترتُ لحظةً سعيدة في بيتنا لأخبر والدتي، ظنًا مني أن ذلك سيخفف وقع الصدمة عليها.
ذهبتُ وجلستُ في مواجهتها، صارحتها، وأخبرتها بأنني لم أعُد أحب الحجاب، ولا أريده في حياتي مرةً ثانية.
نظرت إليّ أمي بدهشة وكأنها لم تصدق ما سمعته، أن كيف وصلتِ إلى هذه المرحلة فجأة؟
حاولت أمي أن تناقشني بهدوء، لكنها كانت تشعر أن شيئًا غريبًا يحدث لي، كنتُ باردةً وغير متأثرة بما تقوله لي، ومحاولاتها التي تحثّني فيها على الابتعاد عن الشيطان، كل ما أرغب فيه هو تحقيق هدفي وفقط، (وهذه الخِصلة تحديداً من أهم خصال أغلب النسويات، لا يهتمّون برأي أحد غير آراء من هُم يعيشون بنفسِ الفِكر.)
أخبرتُ بقيّة أفراد أسرتي ورأيتُ الذهول على وجوههم، وسبب تمسّكي بقراري هو حدوث خللٍ فكري نتيجة هذا الكمّ الكبير من المنشورات التي رأيتها تحثّ على كراهية الحجاب، وخلعه.
أصبحتُ لا أطيق ارتدائه وأرى نفسي لا قيمة لي به، كان كل شيء قد انقلب في داخلي.
كنت أرى الحجاب قيدًا يمنعني من أن أكون نفسي.
وعندما أرتديه للذهاب إلى المدرسة، كنت أشعر أنني بلا قيمة أو هوية، وكأنني أسير خلف المجتمع لا خلف شخصيتي الحقيقية.
ومن ناحيةٍ أخرى فقد كنت أظن بعدم وجود فرضية الحجاب في الإسلام. قلتُ لأعماق نَفسي أنني – للمرةِ الأولى – أفكر بعقلي، كنت أرى في نفسي الشجاعة لأنني أرفض ما يفرضه المجتمع.
لماذا بدت هذه الأفكار مقنعة بالنسبة لي؟ لعدة أسباب:
- أولها: أنها كانت تُصاغ بحبٍ ممزوج بالتمرد، مع قدرٍ كبير من الدعم العاطفي الذي جعلني أشعر بسعادةٍ كبيرة بفكري الجديد؛ وهي من أخطر طرق التضليل: التلاعب بالعاطفة، خاصةً مع سِنّي الصغير آنذاك (خمسة عشر عامًا)، وهي سنّ التمرد إن لم تُدار بحكمة.
- والسبب الثاني: شعوري بالتميّز؛ إذ ظننت أننا قِلّةً نعتنق أفكارًا يرفضها المجتمع، فتوهمت أن الاختلاف عن السائد دليل شجاعة وتميّز.
- أما السبب الثالث: فكان ترديد خطابٍ يقول إن كثيرًا من المحجبات يفعلن المعاصي، وكأن الحجاب لا قيمة له.
هكذا كنت أفكر آنذاك، ولم أفهم معنى قول النبي ﷺ: «كلُّ ابنِ آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوابون»، ولا أن الحجاب سببٌ في منع التبرج والتكشف الذي قد يجرّ إلى الفواحش، واكتساب الآثام كلما مَرَّت المتبرجة بشارع.
كنت كلما ارتديته شعرتُ بالتعب والضيق ومشاعر سيئة لا أعرف كيف أصِفُها.
كل ذلك حدث في عدة أشهر منذ إجازة الإعدادية إلى أن مرت فترة من الصف الأول الثانوي.
حاولوا معي كثيراً أن أتراجع عن فكرتي، لكن ما لم أستطع إيصاله لهم: هو أن كل ما رأيته في هذه المجموعة النسوية وما قبلها كانوا سبباً لتخدير فِكري فلا يعمل في الحق، بل أجد الباطل (نزع الحجاب) وكأنه كنز! وفي يومٍ ما، أخذتُ قراراً غريباً!
دخلتُ غرفتي وأنا في حالة غضب شديد من كل ما يرمز للحجاب، وكأن قطعة القماش هذه هي سبب كل الضيق الذي بداخلي!
جلستُ على الأرض، أمسكتُ بكل أغطية الرأس التي عندي وبدأت أقصها قطعةً بعد قطعة، وكأنني أقطع علاقتي بكل ما كنت أرتديه من قبل. قصقصتُ قطعةً من قلبي! هذا ما أشعرُ بهِ الآن.
كنت أظن في تلك اللحظة أنني تخلصت من قيدٍ كان يطوقني.
لم أشعر بالندم، بل ظننتُ أنني أخطو خطوةً نحو ما كنت أعتقد أنه “تحرر”
لم أكن أعلم أن قراري ذلك سيقودني إلى مرحلةٍ لم أتخيل أن أعيشها يومًا! ما الذي حدث؟ سأخبركم في الجزء القادم.










