بريدٌ تحمله الغيوم دون أن يبتل..

|

بريدٌ تحمله الغيوم دون أن يبتل.. هناك رسائل لا تصلها يدٌ، ولا يحملها ساعٍ، بل تمضي خفيفةً فوق ضجيج الأيام، تحفظها الغيوم من بلل الطريق، وتحملها القلوب من وحشة المسافات. وهذا بريدٌ تحمله الغيوم دون أن يبتل؛ رسالةٌ كُتبت من تعب الأرض ورجاء السماء، إلى قلبٍ ما زال يبحث عن معنى الطمأنينة وسط زحام الأسئلة.

عزيزتي هيلين، كل لحظة تمضي من الإنسان، يستحيل أن تُعاد، وكل فرصة تتسرّب منه تصبح أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما استحالتها، أو بذل جهد مضاعف لإدراكها.
لا أحب تفويت الفرصة، كما أنني لا أحب أن أكون الفرصة الفائتة، ذلك أن من ألف التفويت يقتله الأسى.
أحب أن أطمئن أنني لم أكسر غصنًا، ولم أسلب ثمرًا، ولم أُفوّت سببًا؛ حتى لا أضطر للعودة إلى الأرض لإصلاح ما أفسدته.
آتيكِ باعتراف من الأرض التي نطقت: «لا تنسَ الأرضُ من أحسن إليها»
المُحسن يا هيلين منتصر دائمًا، إن لم تسعفه الدنيا حملته معية الله وأغنتْه عن كل سنبلة مئة حبّة.

الآن أجيبك يا هيلين عن سؤالك الملح: «لماذا تتعبين نفسك؟» إنني أرضي الضمير حتى لا يصرخ بوجهي نهاية المطاف. لا أحبُّ حملَ الأيام على كتفي، يا هيلين، علاوةً على قلبي، ولا الوقوف الطويل؛ لأنَّ الوقوف يصنع الندب في القلب، وأنا أريد قلبًا خاليًا منها. أحب التخفف قدر ما أستطيع، وأن يمرَّ عليَّ النسيان كل حينٍ ليحمل عنّي صفحات الأيام ويطويها في جيبه. أحبُّ صوت الغد، والأمل الذي لا يُدفن في خطوة، وعهدي لزهرة ذبلت أمامي: «لن تموتي ما دام معناكِ نبتًا داخلي»
هيلين، هل يُلام الإنسان على قدره؟ وهل يُترك في مهبِّ الرياح ليُقلع؟ أليس هناك مأوى خفي يستطيع إدراكه؟ بلا، بلا.
إذن لِمَ تقدّم الناس قلوبهم قرابين لليأس؟

الأيام لا تمضي كما يُحسب، والخطوة قبل حسابها لا تتغير. شيء داخلكِ يقودكِ إلى القدر، إمّا أن تصالحيه أو تواجهيه. ويقال: «كل من دخل تلك المواجهة فقد قلبه»

يا هيلين، جميعنا نعلم أنه حين يختار الإنسان وهو مُوَكَّلٌ لنفسه غير متوكل على خالقه، تصفعه الدنيا. لكن أن تصفعه وهو لم يخطُ قبل أن يسأل الله، فهذا هو جوهر الاختبار والنور الذي لن تتعرفي عليه قبل أن يتعرف على أعمدة قلبك: قويّة هي أم متزعزعة؟

ما زالت غرائب الدنيا تتكاثف في عاديتها، وتفتح المفاجآت تواليًا، وفي ذات يوم نستيقظ على السؤال الأكبر: «كيف مضت الأيام بكل ما كانت تحمله من كثرة؟»

لا يهمني يا هيلين ما ستؤول إليه الأحداث نهايةً، ولا يعنيني أين سيودي بي المطاف. كل ما أريده ألا أفجع بقلبي، ولو حاولت الدنيا إفجاعه.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة