خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ
بينما كنتُ أقرأُ كتابًا قبيل أن أخلد إلى النوم، امتدّت إليَّ يدٌ صغيرة تحمل في كفّها تذكرةَ سفر. نظرتُ إليها، فإذا بها تبتسم، وقد غابت بعضُ أسنانها، فازدادت براءةً وعذوبة.
فأضحكتني ابتسامتها، قالت بكلماتٍ مكسّرة، بسبب أسنانها التي فقدتها:
هيا بنا نسافر في دهاليز ذاكرتك.
أغلقتُ الكتاب، وأردتُ أن أرتدي ما يقيَني البرد، لكنها جذبتني وراحت تهرول بي قائلة: ومنذ متى كانت الذكريات باردة؟!
سرنا في دهليزٍ طويلٍ كأنّه لا ينتهي، وقد ازدانت جدرانه بصورٍ كثيرة. توقفتُ عند إحداها، ومرّرتُ أصابعي عليها، فجفلتُ وتراجعتُ خطوتين حين شعرتُ بها تنبض بالحياة.
رأيتُ طفلةً صغيرةً تركض أمامي تحدث نفسها وتردّد: تقول أمي هل عندكم ملح؟ تكرّرها مرارًا، ثم تلتقي بطفلةٍ أخرى وتلعب معها، وفجأة تتذكّر ما ارسلتها أمّها له.
تمضي لتطرق احد الابواب، فتفتح لها الخالة قائلة: ماذا تريدين يا صغيرتي؟ تقول أمي هل عندكم..! ثم تتوقف، وتحكّ شعرها قائلة:لقد نسيت لحظة، سأذهب لأسأل أمي وأعود.
شدّتني الصغيرة من طرف ثوبي قائلة: هل تذكرين هذا الطفل؟ فعُدتُ إلى ذلك اليوم الذي أنجبت فيه زوجةُ عمّي أحد أبنائها
ذهبتُ مع أمي لنطمئنّ عليها وعلى مولودها. قالت لي سماح، أخته: إنّه قبيح، انظري، لا ملامح لأنفه، إنما فجوتان! فوضعنا أيدينا على أفواهنا وضحكنا. ثم رأيتُه يبكي ويبتسم في آنٍ واحد وهو نائم، فسألتُ أمي:لماذا يفعل ذلك؟
فقالت:”إنه يُثعلب”
قلتُ:”وماذا يعني يُثعلب؟”
قالت:”يحلم أن الثعلب أخذ أمّه، فيبكي، ثم يعيدها إليه، فيضحك.”
ولا أدري من أخبر أمّهاتنا بتلك الحكاية الأسطورية التي توارثنها عن الجدّات!
وبينما كنتُ أمشي في الدهليز، شعرتُ بقطرات مطرٍ تتساقط على رأسي. رفعتُ بصري، فإذا بصورةٍ مبللة تنهمر فوقي مطرًا غزيرًا، غمرتني سيوله. خمسُ ساعاتٍ متواصلة والمطر يهطل، والبرد يشتد، وسقف الغرفة يقطر من خمسة مواضع. غلبنا النوم فَنِمْنا، أمّا أمي فظلّت تضع الأوعية تحت القطرات، وتفرغها في صحن الدار كلّما امتلأت، كي لا تنهمر علينا فنصاب بالبرد. نمنا متكورين على فراشٍ واحد تحت بطانيةٍ واحدة في زاوية الغرفة. واستيقظتُ في منتصف الليل وقلت: أمي، أنا جائعة، لكنها ككل مرة جذبتني قبل أن آكل و..!
وناولَتْني صورةً لقمرٍ يتوسّط مجموعةً من النجوم: أبٌ يحيط به أبناؤه من كل جانب. إنّها ليلة الخميس، وغدًا لا مدرسة ولا دوام. أعدّت لنا أمي أقراص الذرة على الحطب، وإبريقًا من الشاي، وزيتَ السمسم. وبعد الطعام، جاءت أجمل لحظات العمر.
لم يكن في بيتنا مكتبة، ولم نقتنِ كتبًا قط، لكن كان لدينا والدٌ يغنينا عن كلّ ذلك. كنّا ننتظر هذه الليلة بشغف. كان يروي لنا قصص الأنبياء، وحكايات كليلة ودمنة، وسيف بن ذي يزن، والأمراء والجنّيات، والفارس المقاتل، وحكايات جحا، والألغاز..الخ لم يكن يخاطبنا كأطفال، بل كشبابٍ ناضجين. كانت طريقته في السرد آسرة، ووقفاته المتقطّعة تشدّك قبل أن تقع في قبضة النعاس أو لحظة ملل. كانت نظراته في أعيننا، واحدًا واحدًا، تُبقينا يقظين، فلا مجال للاستسلام للنوم. كان يعرف كيف يخاطبنا جسدًا وروحًا وقلبًا وعقلًا. بل كأنّ حواسًا أخرى كانت تتسرّب من حنجرته إلى تلك الحكايات، فتنبض بالحياة وتأخذنا إلى عوالمها.
تخيّل نفسك تارةً في أحياء بغداد، وأخرى في شوارع القاهرة، ثم في أزقّة صنعاء، وأحياء دمشق، وعلى أبواب القدس، تشاهد كلّ شيء عن كثب. ومرّةً تسمع قعقعة السيوف، وأخرى كأنك ترى بلقيس حين: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ..﴾ إلى آخر الآية. ولا أدري من منّا كان ينام أولًا، ولا كيف كنّا نُحمل إلى فراشنا، لكنّي أعلم أنّ لنا أمًّا، وهل ثمّة خرائط تدلّ على المنازل غيرهنّ؟
تنفّستُ بعد تلك الليلة المفعمة بالحنين، وأردتُ أن أستند إلى الجدار، فإذا بيدي تغوص في كُوَّةٍ صغيرة. نظرتُ من خلالها، فإذا بيت الجيران، ورأيتُ الخالة رحمة تناول أمي شيئًا ما من خلالها…!
كانت تلك الكُوّة قد أحدثتها الأمهات في الجدار، يتبادلن عبرها الملح والخبز والشاي والقهوة، وشيءٍ من الحبّ والمودّة والرحمة.
هممتُ أن أرى ما في الوعاء الذي ناولتْه الخالة لأمي، لكنّ بكاء طفلةٍ قطع فضولي؛ كانت تبحث عن حذائها لتلحق بأمّها التي ستذهب مع نسوة القرية إلى البيت الوحيد الذي يملكون فيه الرحى.
كنّ يطحنّ الحبوب على تلك الرحى، وتُطحن الحكايات معها، ليمضي الوقت. فتمتزج القصص بالدقيق، ومن هناك يأتي ألذّ خبزٍ يُحضَّر..
أتظنّون أنّ حكاية خبز الأمهات تبدأ من العجين وتنتهي بالنار؟ كلا، بل تبدأ من حكاياتٍ تُروى، وحبوبٍ تُطحن بالحبّ والتضحية والصبر والتراحم. أتعلمون الآن لماذا لخبز الأمهات مذاقٌ خاص؟
وفجأةً، رأيتُ الدهليز يتلاشى، والصور تتلاشى معه، وعدتُ إلى سريري، وإلى جانبي كتابي.. التفتُّ نحو النافذة، فلم يبقَ على الشروق إلا قليل، وقد اختفت النجوم، إلا نجمةً واحدة في الأفق، تقاوم الضوء، وتتوهّج رغم الشروق.










