خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ “ج1”

|

خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ

نظرتُ إلى المرآة فتبسّمتُ، لا لانعكاسي فيها، بل لتلك الطفلة التي كنتُها يومًا. أمسكت بيدي، وجذبتني خلفها؛ سلّمتها روحي قبل يدي، ومضيتُ وراءها… تحت أشجار البرتقال في الوادي، بجوار بئر جدّي، وفي قريتنا، بين أزقّتها. كانت تركض، وأنا ألهث خلفها أحاول مجاراتها، فتتعثر خطواتي…

وكلما أسرعتُ، تعثّرتُ في ذكرى، فأتوقّف عندها، لكنها لا تدعني أعود؛ تشدّ على يدي قائلة: «ليس لدينا وقت… علينا أن نعود سريعًا». اعتلينا مئذنة جامع القرية، فالتفتت إليّ ضاحكة: وقبل أن تنطق بحرف قلت: «نعم، أذكر حين كنّا نصعدها خفية، أنا وبنات عمّي، حين كان العم أحمد يسمح لنا بتنظيف الجامع…» ثم هبطت بي سريعًا قبل أن يكتشف أحدٌ أمرنا..

وقفنا بجانب مبنًى مرتفعٍ بالنسبة لبقية بيوت القرية، وقالت: «هذا بيتنا، وهذه العلّية بناها جدّ أبي»..
حينها تردّد في داخلي قول الشاعر:

“ورأيتُ منـزلنا القديمَ وحجرةً
كانـت بها أمي تمدِّ وسـادي”

صعدنا الدرج مسرعتين، وما إن التقطتُ أنفاسي حتى أمسكتْ بيدي، وتسلّقنا نحو السطح. لم يكن هناك درجٌ يقود إليه، وكان التسلق مخيفًا؛ فالخشب قد تآكل وانكسر، ولم تبقَ سوى فجواتٍ في جدار العلّية. حينها شعرتُ بروح تلك الطفلة وهي تلاحق إخوتها لتتسلّق مثلهم. وما إن بلغتُ السطح حتى طارت الحمام، وشعرتُ بقلبي يرفرف على جناحيها. نظرتُ إلى قريتنا من الأعلى، وإلى القرى المجاورة؛ بيوتها متلاصقة، كأنها كفوفٌ صغيرةٌ تشابكت خوف الفراق…

ورأيتُ المطبخ، وفتحاتِه الثلاث التي يتصاعد منها الدخان… التفتت إليّ، ووضعت يديها على فمها تخفي ضحكاتها، لكن قهقهاتها انفلتت. قلت: «نعم، أذكر حين كنّا نعتلي أنا وإخوتي سطح المطبخ، ونرجم المارّة بالحصى…»
ثم، دون أن تتركني أشاركها ضحكها، جذبتني نحو المرعى. وكلما مررنا بذكرى، التفتت إليّ، وعيناها تتساءلان: «أتتذكرين ما حدث هنا؟» وكيف لي أن أنسى، يا أنا؟ شاهدةُ الأغنام، وكلّ غنمةٍ لها اسمٌ خاص… بينما اعصر ذاكرتي لكي أتذكر أسماءهن…!

لكنها أخذتني إلى مكانٍ يجلس فيه أطفالٌ على الأرض، وأجلستني خلفهم. كان رجلٌ يمسك كتابًا، وقال: «من يحفظ النشيد؟» تركت يدي، وتقدّمت نحوه، وأخذت تنشد: «أبي اشترى لي ساعةً، فلم أنم من الفرح…» وقطع صوتها جرسُ انتهاء الحصة. إذًا نحن في المدرسة. صاح الأطفال فرحين، وأخذت بيدي إلى الباحة التي ما زلتُ أحلم بها في ليالٍ كثيرة. أخرجت من حقيبتها فطورها، ومدّت إليّ قطعة خبزٍ طُبخت على الحطب. أدفع عمري كلّه لأعود وأتذوّق خبز أمي، ذلك الذي خُبز بحبٍّ وحنان…

وفي كل مرةٍ تباغتني وتأخذ بيدي فجأة. هذه المرة وجدتني أمضي خلفها، وهي تمضي بي نحو رجلين تحت شجرة السِّيسَبَان. كانت تحمل في يدها إبريقًا من القهوة الحلوة. يا إلهي… إنّه والدي مع جارنا، رحمهُ الله برحمته.

كان والدي منشغلًا بنقاشٍ مع جارنا، وهي لا تعبأ بكل تلك النقاشات؛ لا تهمّها إن قامت الدنيا أو قعدت، ولا ما يتجادلان فيه من فواتير الماء والكهرباء وغلاء المعيشة… لا يهمّها شيءٌ من ذلك. كل ما يشغل بالها ويهمّها هو ردّة فعل والدها حين يحتسي القهوة.

وكأن أباها قد أدرك ما يجول في خاطرها، فهو لبيبٌ فطِنٌ؛ أذكى رجلٍ مرّ في حياتها، هكذا تصفه، ونحن لا ننقص أبدًا من قدسية صورة كل أبٍ في عيون طفلته. سألها: «من صنع القهوة؟» قالت: «أنا». وكأن العالم كلّه أنصت لتلك «الأنا» التي خرجت من أعماق روح الفتاة التي أعدّت أول قهوةٍ في حياتها.

فإذا بوالدها يثني عليها بكلماتٍ كانت كأنها سربٌ من فراشات، حملتها من قاع الأرض إلى أعلى غيمة؛ وكأنها تنتمي إلى السماء، ولا ينبغي لها أن تسكن الأرض أو تمشي على ظهرها. كان يخشى أن يخدشها شيءٍ ما، أو يصيبها سوء… لقد شعرتُ بروحي خفيفةً وأنا أذهب معها على متن تلك المشاعر.

لم تجعلني هذه المرة أمتطي السحاب وأنظر إلى الأرض من…..!
كما في كل مرة تأخذني بيدي وتجرّني خلفها، لكنها قالت: «هذه المرة، سآخذكِ إلى مكانٍ بعيد… خارج القرية…»

ذهبتُ خلفها دون سؤال؛ كل ما أردته أن أرى بعينيها، لا بعينيّ. أخذتني إلى المدينة. كان الليل قد أسدل ستاره، ولون المساء ساحرٌ يفوق الخيال؛ خيال طفلةٍ ريفية تزور المدينة لأول مرة في السابعة من عمرها. لم تكفّ عن الالتفات يمينًا ويسارًا؛ سحرتها أضواء المدينة… ثم سرقتها. تُرى، تحت أيِّ إنارةٍ تقفين الآن؟

شممتُ رائحة البحر، ونسيمه يلامسني، فقلت: «هل نحن…؟» نظرت إليّ وقالت: «نعم، نحن في مدينة عدن». أخذتني إلى البحر، وقالت لي بهدوء: «هنا أترككِ».

ومضت… وتركتني مع صوت الأمواج، تتقاذفني… هنا وهناك.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة