“خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ “ج”4″

|

“خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ

بينما كنتُ أمشي، إذا بطفلةٍ تظهر لي من العدم وترتطم بي. نظرتُ إليها، فلم أجد غيري هناك.
نهضت وهي تنفض التراب عن ثوبها، وقالت:
«هيّا، علينا اللحاق بهم».
وأشارت إلى مجموعةٍ من النساء والأطفال والرجال، كانوا يتجهون إلى بيت العم سالم.
دخلتُ بين الزحام، واستطعتُ بقامتي الضئيلة أن أمرّ من تحت أقدامهم، حتى رأيتُ ما جاؤوا ينظرون إليه:
شيءٌ دائريٌّ، فيه أرقام، وسماعةٌ متصلة بسلك.
وفجأةً صدر منه صوتٌ، فجفل الجميع على أثره، وعمّ الصمت.
أخذ العم سالم الهاتف، وبدأ يُكلم ابنه المغترب.
ثم ناوله للخالة آمنة، فأخذته بيدين مرتعشتين، وجلست صامتةً لبرهةٍ من الزمن.
كان كل شيءٍ قد توقف، إلا نظراتها التي كانت تراقب المكان من كل جهة، وكأنها تترقب رؤية ابنها يدخل عليها في أي لحظة.
وقد تجمعت الدموع في عينيها… وجرفتني بعيدًا.

صوتُ طائرةٍ تحوم في السماء، مسافرةٌ لا نعلم وجهتها، ولا نعلم من فيها.
غير أننا كنّا نتابع ظلالها على الأرض، ونركض بكل ما أوتينا من سرعة، ونحن نغني وننادي عليها.
ترى… هل كان من في الطائرة يروننا ويهتمون لأمرنا؟
أم أننا مجردُ مجموعة أطفالٍ في قريةٍ نائية، ليست سوى نقطةٍ لا تُرى على تلك الخارطة الكبيرة؟

صحونا اليوم على أمرٍ مفجع؛ فقد تهدم جزءٌ من بيت العم عبدالله جرّاء الأمطار الغزيرة ليلة البارحة.
هرع الرجال لإصلاحه، وقامت النساء بإعداد الطعام للجميع، وحتى الأطفال شاركوا في نقل الحجارة الصغيرة للبناء.
ولم يأتِ وقت العصر حتى كان ما تهدم قد بُني من جديد.

واليوم تمرّ السنة بكل فصولها، وهناك من يقطنون في الخيام منذ سنوات…
فهل ماتت المروءة؟
وهل مات العربيُّ فينا؟

وجدتُني أتسلل إلى بيتٍ قديمٍ متهالك، يكاد يقع فوق رؤوسنا.
هبطتُ إلى حجرةٍ بابها صغير جدًا، تتقدّمها ثلاث درجات من الداخل.
كانت نورة تمسك بيدي، وتضع سبابتها على فمها.
إنها حجرة جدتها ، وذلك الصندوق هو ما تخبئ فيه جدتها الحلوى والتمر.
وفي تلك الصناديق أيضًا، كانت الجدات يُجففن السنوات السعيدة، ليستخدمنها في غير مواسمها.

وكانت هناك خزانةٌ يعلوها شيءٌ ما، أردتُ أن أصل إليه، لكنه سقط على رأسي، فاستيقظت الجدة وضربتنا بعكازها.
وفجأة… وجدتني قد كبرتُ سريعًا.
لماذا؟

كلُّ ما أردته في تلك الليلة، أن تنمو قامتي قليلًا، كي أستطيع أن أرى ماذا وضعت جدتها فوق الخزانة.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة