كلما استصعبَ الطريق وهاجمته وساوس الشيطان التي مبدؤها «لماذا يا رب؟»، سمع صوتًا داخليًّا يذكره:
– يا فتى، ألم تدعُهُ بأن يصنعك على عينه؟
فيقول:
– بلى، قد دعوته بذلك…
– وهل سُنَّة الله في صناعة عباده وتربيته سبحانه لهم تكون بفرش طريقهم وُرودًا؟!
أريدك أن تستحضر معي وتتأمل: تراهُ كيف بدأت قصة يوسف -عليه الصلاة والسلام-؟
ماذا حدث معه بعد أن قصَّ رؤياه العظيمة على أبيه؟
ما الأحداث التي طرأت بعد أن أخبر الأب ابنه بتأويل الرؤيا، وأن الله سيمنُّ عليه كما منَّ على أبويه من قبل؟
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف – ٧]
لا بدَّ أننا لو تخيلنا الأحداث بنظرتنا البشرية القاصرة، لتوقعنا عكس ما قصَّه القرآن علينا، إذ أن هذه المنَّة وهذا الصنع بدأ بإلقائه -عليه السلام- في الجُبِّ، وبيعه بدراهمَ بخسةٍ معدودات، ثم وصوله إلى السجن بكيد النسوة.
ثم… ثم جعلته تلك التربية الإلهية -على مدار كل هذه السنين- عزيز مصر.
وهاك سيرة موسى -عليه الصلاة والسلام- التي بدأت بولادته في زمن الطاغي الذي لا شفقة في قلبه ولا رحمة، ما دفع أمًّا أن تقذف فلذة كبدها في اليَمِّ، وإذ به يُساق إلى عقر داره ويُربى تحت جناحه رغمًا عن أنفه، ثم تمضي السنين وتقع حادثة تدفعه -عليه الصلاة والسلام- إلى الفرار من تلك القرية، ليتزوج ويعمل في المكان الذي هاجر إليه، وتمضي السنون، ويعود إلى فرعون بأمر من ربه ليدعوه ويرغبه ويرهبه. فتخيل معي -يرعاك الله- أن كل ما مرَّ به -عليه السلام- منذ بداية ولادته إلى لحظة إرساله للدعوة كان تربية إلهية، لا غضب إلهي كما يتوهم البعض.
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه – ٣٩].
والأمثلة في ذلك لا تنقضي. ومن اقتفى آثار الأنبياء وسار على نهجهم، لا بد أن يلحقه ما لحقهم.
«سُئِلَ رسولُ اللهِ: أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ»










