استنطاق الجمال ​|الزيتون|

​شجرة زيتون أبدعها ربي فوهبها طولاً في شمم، وعزةً من غير كبر، قنديلها يضيء وجذعها متين، وهي لِعَرَاقَةِ التاريخ خير دليل.
​موسومة بالحكمة، مزدانة بألق سراجها. أصيلة أَباً عن جد، غير مدخولة النسب، يعرفها كل طير وبشر، وكل أُحْفُورَةٍ مَا هِيَ عنها بمغمورة.
​فكم سندت ظهراً أَوَى إِلَى صلابتها، وكم أظلت من هرب من هجير غيرها، وكم أفاضت مبتسمة من ثمرها.
​طار الهدهد إلى غصنها، فَأَمَالَ رأسه مُسْتَنْطِقاً منثور حكمها، ولسان حاله: هلا بسطت صحيفة تجاعيدك لتقرأي لي من حرف تجاربك؟ وتغرفي لي من نبع حكمتك؟ فالباشق يحوم، والأفعوان يتربص، آنسيني بعذب حديثك كُرْماً منك.
​همست له:
استراح تحت وارف ظلي يافعٌ وكهلٌ عليهما سيما الخير، سرى أريج زهر الليمون والبرتقال فَزَكَمَ النفوس، سكنت أجنحة الطيور واتخذت من أشجار البلوط موئلاً، كي ترهف السمع لهذا الحديث:
​– اندفعت من اليافع حروف حَيِيَّة تنم عن أدب جمّ بعد أن كان ينكت التراب عاجزاً عن صوغ ما فيه: يا عماه ما تقول لمن ثوبه كلما اتسخ غسلته الأم الرؤوم وضمته وغمرته بحنانها، غير أن الطفل ذاك تمادى، وما اكتفى بالذنوب الفرادى، فصار يلحقها من كل نوع زوجين اثنين.. فيلطخ يديه. جرت الأيام فبلّ الطين كلتا قدميه، فغدا كعوائده مهرولاً للأم والدمع من عينيه يسحّ، يستدرّ غيث مقلتيها.
​أما الآن فالطفل شبّ، والعود اشتدّ، وطغيانه امتد، فكلما تاب عَادَ لذنبه، وكلما آب لربه.. سولت له نفسه.. وطوّقه خنّاسه بحبال من اليأس، وجُدر من القنوط، كيف الخلاص؟ وما السبيل!
​عدّل الكهل جلسته واسترخت ملامح وجهه، ثم هز رأسه مشيراً بفهم مقصد اليافع الأواب.
​– أعنّي على نفسك بحسن الفهم بما أقول، فإن أنت وعيت واتبعته بحسن العمل بما مني قد سمعت، بإذن ربك قد فلحت:
​– يا بني، إنما خرج أبوك آدم عليه السلام من الجنة، ذنب قد زينه الشيطان له.
​فأنت ابن آدم، وما ينبت الغصن إلا من الجِذع. ولو أرادك الله ملكاً، لخلقك من نور..
​فما خلقك من طين إلا لحكمة، ولتتجلى منك عبوديات يحبها الله عز وجل:
​عبودية التوبةِ
​عبودية المراغمة
​عبودية الاستغفار
​عبودية الذل والانكسار
​عبودية الدعاء
​عبودية اتهام النفس

زيتون
  • أما التوبة: فبأبيك آدم أشبهت، وعن إبليس اللعين ابْتَعَدْتَ. فماذا جنيت؟ نور يستغفر لطين.
    ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].

​ما شهدت ولن تشهد هذا الكرم.. ومثل هذي المعاملة، في الدنيا الدنية أبداً.. تأمل اسم الله الشكور!.

​أسجد مخلوقات النور، لآدم وفي ذاك كرمى لك، فأنت من نسله.! وما ذاك مدعاة للكبر.. فتغترّ. بئس امرؤ يَتَّكِئُ على كرم أَرُومَتِهِ وَنَسَبِهِ وقبيلته.. فينبذ العلم والعمل.

​إنما ذكرتها لك مدعاة لشكر الله، وتعريفاً بمكانتك، فكيف تركن لإبليس اللعين الذي يتحرق غيظاً ويعض الأصابع ندماً ويودّ بكل ما أوتي أن يدخل كل ابن آدم النار معه.

​• وأما المراغمة، ففي كل مرة تقاوم لذتك وذنبك، تغيظ إبليس مرات: مرة بلحاقك بركب أبيك الأكرم، ومرة بتلفظك كلمة أبى قولها، ومرة تُذكِّره بمشهد الخروج، منعوتاً بالذل في آيات تتلى منذ نزول الوحي على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فهو منك في عذاب، وحلقه في مرارة تلك الكلمة!

​• وأما الاستغفار، تلك كلمة الأنبياء عليهم السلام، تُضاء حين تخرج من قلب مسكين، يمد يده يرجو كرم ربه وعفوه، فما أطيبها من كلمة صارت ديدنك حتى أشبهت الكرام [فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح].

​• وأما الذل: مطهرة للقلب، يجلو كل ذرة كبر فيك، صَيقل الأرواح، طأطأة لعنق نفس يحاول الشيطان أن يمسك قيادها ويجعلها عبدة له.

أرهف سمعك لقول ابن القيم رحمه الله:

“أسماء الله الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها، فاسم السميع البصير= يقتضي مسموعا ومبصرا، واسم الرزاق= يقتضي مرزوقا، واسم الرحيم يقتضي مرحومًا، وكذلك اسم الغفور) و(العفو)، والتواب)، و(الحليم) يقتضي من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، ويحلم عنه، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات؛ إذ هي أسماء حسنى، وصفات كمال، ونعوت جلال، وأفعال حكمة وإحسان وجود، فلابد من ظهور آثارها في العالم، وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله – صلوات الله وسلامه عليه – حيث يقول:{ لَوْ لَمْ تُذنبوا، لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَعْفِرُ لَهُمْ .}”.

​فاجعل من ذنبك معراجاً، لمراتب أسمى، ولا تعر أذنك لشيطان يريدك أن تسقط في قيعان لا قرار لها.
​علت ملامح اليافع مسحة من الرضا ثم قال:«اللهم يا من وهبت عبادك رحمة واحدة فمنها رَحِمَنِي هذا العم فَأَرْشَدَنِي، أسألك برحماتك التسع وتسعين أن ترحمني وإياه يوم تبعث عبادك، فلا تحشرنا مع من مَقَتَّهُمْ، واحشرنا مع النَّبِيِّينَ والصديقين والشهداء..».

​ثم عاد الخجل بأشدّ ممّا كان، فقال بصوت خفيض:«يا رب، برحمتك، لا بِاسْتِحْقَاقِي أجب دعائي وارحمني».

للمزيد:
حين تتنازع القلب مقاماتُ العبودية

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة