ما بَكَيتَهُ كان نجاتك 1
كثيرًا ما يجزعُ الإنسانُ إذا أعيتهُ المقادير، وظنَّ أنَّ ما انصرفَ عنه قد انتُزع من بين يديه انتزاعَ الظالمِ لغنيمته، ولو انكشفَ له محجوبُ الحكمةِ لرأى أنَّ في طيِّ المنعِ ألطافًا، وأنَّ كثيرًا ممّا تأسَّى لفواتِه لو أُوتيه لكان مَورِدَ شقائه ومَنبعَ بلائه، فالمرءُ أسيرُ اللحظةِ، محدودُ البصرِ بالعواقب، يرى ظاهرَ الحرمانِ ولا يُبصرُ ما استترَ خلفه من الرحمات، فينوحُ على بابٍ أُوصِدَ دونه، غيرَ عالمٍ أنَّه لو وُلِجَه لاقتحمَ بهالكَةٍ لا مخرجَ منها، وما أكثرَ ما يتبدَّى للعبدِ بعد كرورِ الأيّام أنَّ ما حسبَه انكسارًا لم يكن إلا صرفًا رحيمًا، وأنَّ الأقدارَ التي آلمته كانت في حقيقتها تُزحزحُ عنه من الشرِّ ما لم يكن ليطيقَه لو نزل به، فطوبى لمن فوَّض أمرَه إلى الله، وآمنَ أنَّ الحكمةَ تتوارى خلفَ ستارِ الألم، وأنَّ العطايا ليست دائمًا فيما تهواه النفوس، بل فيما يختاره الله بعلمِه ولطفِه.

ما بَكَيتَهُ كان نجاتك (2)
أذكرُ أنني كنتُ أتحدثُ يومًا مع إحدى معارفي التي جمعتني بها الأيام، ولم تكن بيننا علاقةٌ وثيقةٌ أو تواصلٌ دائم، وإنما معرفةٌ عابرةٌ تلتقي عند المناسبات والحاجات ثم تنصرف…
قالت لي يومها بصوتٍ أثقله الأسى: «لقد منعني والدي من الذهاب مع صديقاتي في رحلةٍ إلى البحر، تستمر أسبوعًا كاملًا».
ثم أخذت تُخبرني عن تلك الرحلة التي انتظرتها طويلًا، وكيف كانت جميع صديقاتها قد استعددن لها، وكيف كانت تتخيَّل أيامها هناك بين الضحكات، والذكريات، والبحر الممتد على مدِّ البصر، كانت كلماتها تتساقط ممزوجةً بالمرارة، وأدركتُ أن المنع قد أثقل على قلبها ثِقلًا شديدًا!
فقلت لها: «أطيعي والدكِ، فلعلَّ الله قد ادَّخر لكِ في هذا المنع خيرًا لا ترينه الآن».
لكنها لم تكن ترى من الأفق إلا سحابة الحرمان، ولم تكن تسمع في تلك اللحظة إلا صوت أمنيتها المكسورة، ثم أخبرتني أنها بكت كثيرًا، وأن الحزن استولى عليها حين رأت صديقاتها يتهيأن للرحيل وهي باقيةٌ خلفهن، ومضت الأيام… وجاء صباحُ انطلاق الرحلة، وفي الوقت الذي كانت فيه القلوب تترقب بداية أيامٍ مليئةٍ بالمرح، انطلق خبرٌ كالصاعقة، وارتجَّت له النفوس ارتجاجًا!
لقد تعرضت الحافلة التي كانت تقلُّ الفتيات إلى حادث سيرٍ مروِّع… نعم…
إنها الحافلة نفسها، الحافلة التي كانت تتمنى بكل ما أوتيت من شوق أن تكون إحدى راكباتها، نُقلت المصابات إلى المستشفيات، وسالت الدموع في بيوتٍ كثيرة، وفُجع أهلٌ ببناتهم، وقضى ثلاثة أشخاص نحبهم في ذلك الحادث، بينما خرج آخرون بإصاباتٍ بالغةٍ وجراحٍ ثقيلة.
عندما سمعتُ الخبر، شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في أوصالي، ولم أفكر إلّا فيها.
تخيلتُ للحظةٍ واحدة أنها كانت قد ذهبت، تخيلتُها بين المصابات، يحيط بها الأطباء، وتغطي الدماء ثيابها، وتتنازعها الآلام، وتخيلتُ احتمالًا أشدَّ قسوةً… أن تكون من الذين انتهت رحلتهم قبل أن يبلغوا وجهتهم، وأن يكون أهلها اليوم يبكونها،
لكن الله سبحانه أراد لها غير ذلك، أراد لها السلامة، أراد لها النجاة، فجعل النجاة تأتيها في صورة قرارٍ ضاقت به نفسها، ومنعٍ ذرفت لأجله الدموع، ولهذا كلما ضاق صدري لفوات أمرٍ أحببته، تذكرتُ تلك الفتاة، وتذكرتُ ذلك الحادث.
فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع، والحمد لله على ما أخفى عنَّا من الشرور كما نحمده على ما أظهر لنا من النعم، فوالله… ما بَكَيتَهُ يومًا قد يكون هو نجاتك التي ساقها الله إليك في ثوبِ الحرمان.
للإستزادة:
يا نون؛ الله عدل
هداياتٌ منسية!










