همسة¹
أيًّا كان الأمرُ الذي يشغلك ويؤرِّقك، فاحذر أن تستعظمه أو تستحيلَ حلَّه؛ فلا أعظمَ ولا أكبرَ من الله، قاضي الحاجات ومُفرِّج الكُرُبات.
فتوكَّلْ عليه، واستعنْ به على قضاءِ جميعِ حوائجك، عظُمَت أم هانت، صغُرَت أم كبُرَت.
أنت تتوكَّل في قضائها على من لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء؛ فاستعنْ بالله ولا تعجزْ، وتوكَّلْ عليه ولا تتردَّدْ.
همسة²
تأمَّل في ملكوت السماوات وأمعن النظر، والله إنك لتشعر بالسكينة والاطمئنان. إنَّ التأمُّل شيءٌ مهيب، يُسكِن القلبَ مشاعرَ عظيمة.
جرِّب اليوم النظر طويلًا إلى السماء ليلًا، وفي النهار تأمَّل الطيورَ المُحلِّقة، واخفض بصرك قليلًا نحو الأشجار الباسقة والجبال الشاهقة، وتأمَّل بديع صُنع الله وإحكام خلقه. عندها لن يعودَ إليك بصرك خاسئًا ولا حسيرًا، بل ستكون مُعظِّمًا لآلاء الله، مُقِرًّا بربوبيته، معترفًا بألوهيته.
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ}.
همسة³
كُن أنتَ أنت، ولا تحاول أن تتصنَّع شخصيات الآخرين.
لو كان التشابه شيئًا محمودًا، لما خلق الله جل جلاله أشكالًا وألوانًا وأجناسًا مختلفة.
﴿وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَ ٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّلۡعَـٰلِمِینَ﴾ [الروم ٢٢]
من آيات الله أن خلق لنا أشكالًا وألوانًا مختلفة، وألا ينبغي لكَ إلا أن تفخر بطبعك وشخصيتك واختلافك عن الناس، المهم أن يكون اختلافًا لا يمسُّ الدين والأخلاق بسوء. حينها، كُن أنتَ ولا تُبالي.
همسة⁴
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }
كلما مسّك ألمٌ أو شعرت بالتعب، تذكّر هذه الآية.
وكلما اشتدّت عليك الصعاب وتكالبت عليك الكروب، قل لنفسك: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }
أربت على قلبكَ بهذه المعاني الجليّة، ثبت نفسك بها، فأنتَ في صراعٍ ما دمت لم تدخل الجنة بعد، فصارع الحياة وحارب الصعاب حتى تفوز بروحٍ وريحانٍ وجنّة نعيم، هناك حيث لا شقاء، لا ألم، لا حرمان من النعم، جنة وما مثل الجنة إن فزت بها.
وكي تفوز بها، تسلّح بالصبر وكن مجاهدًا، والجهاد ليس شرطًا أن يكون بالنفس، بل قد يكون جهادًا مع النفس، وإنه لجاهدٌ أشد. يقول أحدهم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وقد فسروا الجهاد الأكبر هنا بـ”مجاهدة العبد هواه”.
لذلك عليك أن تعي أن الجنّة غالية، ولكنها تستحق العناء لأجلها، فشمّر عن ساعديك من هذه اللحظة، وليكن نظرك مصوبًا نحو الجهاد بكل أنواعه، أصب منه ما استطعت، ولا تنسَ أن تصطحب معك أقوى سلاحٍ للجهاد، ألا وهو الصبر.
وقبل أن تذهب، تذكّر دائمًا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
همسة⁵
طريق الإتقان: الدُربةُ والمِران، والدعاءُ والناسُ نيام، والإخلاص لخالق الأكوان.
همسة⁶
يا عبدَ اللّٰه، تأمّل في عمرك ما انقضى منه، واسأل نفسك ماذا زرعت فيه كي تحصد غدًا. تأمّل فيما أفنيته، وعَلامَ؟
أفي شيء يحزنك غدًا إن لقيته، أم يُبهج قلبك؟
أم في أمرٍ يُكدر صفو خاطرك أو يَجْبُرُه؟
في هذه اللحظة لك القرار، وغدًا ما لك غير خيار ألا وهو الحصاد، فأزرع لنفسك ما ترضى حصاده.
همسة⁷
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
[سُورَةُ النَّمْلِ: ٥٦]
تأمّلي أُخَيَّتي أنه ما كان ذنب قوم لوطٍ -عليه السلام- إلا أنهم أُناسٌ يتطهرون، فما كان قرارُ قومه إلا إخراج آل لوطٍ من دارهم وديارهم!
ولكنّ الله سلّمهم وحفظهم وأهلك أعداءَهم، ولكن لا تتعجّلي الفرج، أليس الصبح بقريب!
لذلك لا تحزني إن كرهوكِ للباسكِ الشرعي أو نبذوكِ من مجالسهم لأنكِ قلتِ لهم: نريد جلسةً دون غيبةٍ أو نميمةٍ، أو لأنكِ رفضتِ نزع النقاب حين اشترطوه عليكِ كي تدخلي تخصصًا ما يُشترط فيه نزع النقاب، أو لأنكِ جاهرتِ بعدائكِ للنسوية، ومن تقف معهنّ، أو لأنكِ نصحتِ جارتكِ بطاعة زوجها، إذ أنها في كثيرٍ من الأحيان يصل صوتها إلى منزلكِ وقد علا وزادت في وقاحتها عليه وتحدّيها له، فهجرتكِ وقاطعتكِ.
لا تحزني إن رأيتِ نفسكِ غريبةً بين قومكِ، قد آثرتِ القرار والوقار، وهم سلكوا طريق البوار.
وليزدَد امتنانكِ لله، وليطمئنَّ قلبكِ كلما رأيتِ القوم قد انجرُّوا وراء حطام الدنيا، وأنتِ استمسكتِ بالتقوى، وعلمتِ أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
ليكن قلبكِ مُرْتاحًا ما دمتِ تجاهدين في سبيل الله، فكل شيء ما خلا الله باطلًا.










