يا نون؛ الله عدل… حبيبتي العزيزة نون، حبيبتي الهادئة، هدوءٌ يُخفي خلفه الكثير، ويختبئ وراءه كلُّ عظيمٍ وثقيل.
الحياة ليست عادلةً… لكم؛ رددها الكثيرون، ورثى بها الفاقد والمفقود والحزين والمحزون والموجوع والمفجوع.
ولكنني أقول لكِ يا نون: اللهُ عدلٌ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ونحن يا حبيبتي الرهيفة الرصينة، نعامل الله لا الحياة ولا البشر الذين هم خلقه، وبيده مقاديرهم ومقادير كل شيء.
لذا يا عزيزتي، تذكّري هذا جيدًا: نحن نعامل الله وحده، الله وفقط، ونردّ إليه كلَّ ما نفعله، وكلَّ ما فُعل بنا.
فمن آذانا، فما آذانا إلا بإذنه، فكان أذاه بلاءً نتصبّر به إلى الله، ويجزينا على صبرنا كلَّ خير.
ومن آوانا، فما آوانا إلا بإذن الله، فنستشعر قربه ورحمته سبحانه، وعنايته البالغة بنا، وأنه لم يضيّعنا.
فلا نقضي حياتنا ناقمين على بشرٍ ضعيفٍ ذليل، ولا نتعلّق تعلّقًا يُنغّص عيشتنا بفانٍ فقير، بل نمضي متوكّلين، مُحسنين الظن، ونحن نردّد: إنك حسبي في كل دربي، بك أصول، وبك أجول، وبك أقاتل، وبك أحب، وبك أكره، فلا تكلني إلى نفسي البشرية الجهولة الضعيفة.
لذا تذكّري، أيتها المحاربة: نردّ إلى الله كلَّ ما بنا، وكلَّ ما كان منا.
أن تنقمَ نفسكِ أو تتلظّى بنار الغيظ والسأم، فيتآكل قلبكِ كما تأكل النار الحطب، هذا ما أعيذكِ منه، فلا تقطعي وصالكِ بالسماء، واستمدّي منها الغيث، ليخرج الطيب، ويبقى زرع قلبكِ يانعًا.
عزيزتي الملتاعة نون، إن التكرار يبعث على الألفة، فلا تتركي لهم سمعكِ، ولا تكرّري قولهم، وإن كان بينكِ وبين نفسك.
حبيبتي نون، باسم الله على قلبكِ وما يرتجّ به صدرك، باسم الله على ما تحملينه، فقد أصرّت الحياة أن تنقشه على جدران فؤادكِ بحبر الألم، وأبت إلا أن يكون أثره عميقًا، كأثر كَيِّ النار الملتهبة.
فأوصيكِ بأن تسكبي على نقوش هذه الجراح صبرًا، وتدهنيها بالتسليم، وتُضمّديها بحسن الظن واليقين.
ما أوحش الحياة دون اللوذ بالله يا نون، وما أقسى العيش دون أن تُناشدي السماء.
واعلمي أن هناك حكمة، وإن كانت أكبر من أن يدركها عقلك، أو تضيق عنها براءة قلبك.
وكوني بخير… رغم كل شيء.










