ما بين الفطرة والفعل

ما بين الفطرة والفعل:
كرَّم الله الإنسان بالعقل والبصيرة، ليكون قادرًا على التفكير وضبط أفعاله، فلم يجعل المشاعر وحدها مناط الحساب- إقرارًا بضعف النفس البشرية- بل الفعل الذي يختاره المرء بعد صراع نفسه. والشرع الحنيف خاطب الرجل والمرأة معًا، وحمَّل كلًّا منهما مسؤولية أعماله، ثم جعل للرجل درجة في القوامة، تكليفًا لا تشريفًا، نظرًا لما أوتي من مسؤولية القيادة والرعاية، وضبط النفس، والحزم المقرون بالرحمة.

وما سأقوله لا يعني إنكار الانجذاب الفطري بين الرجل والمرأة، بل هو أمر أقرَّه الشرع وعالجه بالضوابط؛ فشُرع الحجاب صونًا للكرامة، وأُمر كلٌّ من الطرفين بغضِّ بصره، وحُرِّمت الخلوة، كل ذلك ليبقى الميل طبيعيًا مضبوطًا، لا منفلتًا مهلكًا. غير أنَّ بعض الأقلام تنحرف بهذا الفهم، فتكتب أنَّ “الرجل خُلق لا يملك شهوته”، أو أنَّ المرأة “تفتنه من شعرها حتى أخمص قدميها”، وكأنَّ الرجل مسلوب الإرادة، لا يملك زمام نفسه، وكأنَّ المرأة ليست إنسانة بل “طُعمًا” ،وهذا في حقيقته افتراء على الله قبل أن يكون إساءة للرجل؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما حوسب على شيء ليس في طاقته، ولما فُرضت عليه حدود ولا عقوبات.

إنَّ تصوير الرجل على أنَّه كائن شهواني عاجز، ليس إلا دعوة ضمنية لتبرير الجرائم، حتى يصير التح/رش والاعت/داء “طبيعة بشرية” لا “خطيئة أخلاقية”. وقد بلغ ببعضهم أن يعلِّق جرائم التح/رش بالأطفال أو حتى الانحر/افات بين الرجال على المرأة، زاعمًا أنَّها بفقدان حيائها دفعت الرجل إلى ذلك! بل اتَّهموا الأطفال ببراءتهم، وجعلوا من الضحية سببًا في الجريمة! وهذا قلبٌ للحقائق، وتبرير شيطاني، ووحي من إبليس. إنَّ التحرش والاغتصاب ليسا نتاج لباس ولا مظهر، بل نتيجة نفوس مريضة وقلوب خربة. وهل الطفل الذي اعتُ/دي عليه كان “متبرجًا”؟ وهل الرجل المتدين الذي تُحرِّ/ش به في السجن كان “مغريًا”؟
ولو كان الانكشاف هو سبب التح/رُّش، فلماذا يقع في بلدان لا تكاد تُرى فيها امرأة بلا حجاب، مثل اليمن أو أفغانستان؟ ولماذا تُستباح كرامة امرأة مغطاة بالسواد من رأسها حتى قدميها؟
إنَّ القول بأنَّ الرجل عاجز عن ضبط نفسه يهدم معنى القوامة، ويناقض الحكمة التي حمَّله الله بها مسؤولية أمة، وجعل منه الأنبياء والرسل، والقضاة والقادة. فلو كان عبدًا لشهوته لا سلطان له عليها، لما استؤمن على شيء. لكنَّ الله رفعه بالقوَّة المقرونة بالحكمة، والقدرة المضبوطة بالرحمة، ليكون سيِّدًا على نفسه، لا عبدًا لشهوته. إلا إنَّ هذه الأفكار المنحرفة لا تُهين المرأة وحدها، بل تُهين الرجل أيضًا، إذ تختزله في جسد منفلت، وتبرئه من تبعات أفعاله، فتدفعه إلى هاوية الانحطاط، وتجعله يتوهم أنَّه “ضحية” لا “مسؤول”. والحقيقة أنَّه عبد لله، مُكرَّم بالعقل، مُحاسب على ما يختار، قادر على أن يسمو بنفسه فوق الهوى.

وهذا الخطاب يتجاهل تمامًا المرأة! رغم أنَّها هي أيضًا إنسانة لها مشاعر وانجذاب، وليست جامدة القلب، لكنَّها مأمورة مثل الرجل بضبط النفس وصون السلوك. وكما لا يُعذر الرجل باتباع شهوته، لا تُعذر المرأة باتباع هواها… وهكذا، فإنَّ الإصلاح لا يكون بتكميم النساء، بل بتربية الرجال والنساء معًا على المسؤولية، وعلى أن الفضيلة واجب، لا اختيار، ولا يوجد ذريعة لتبرير الرذيلة

وحصر المرأة في كونها “مصدر فتنة” ظلم مضاعف لها. فهي إنسانة مثل الرجل، لها عقل وقلب وروح، لا مجرد جسد يُستخدم ذريعة. ولو كانت المرأة الفتنة المقدرة التي لا مفرَّ منها، لما خاطبها الله بالأمر والنهي، ولما ألزمها بما ألزم به الرجل من غضّ البصر وصون النفس.

وأعجب ما في هذا الخطاب المريض أنّه يهين الرجل باسم الدفاع عنه؛ فيجعله شهوة سائبة، وغريزة منفلتة، ويبرِّئه من تبعة فعله، كأنَّه صبيّ صغير لا يحسن حمل نفسه. والحقيقة أنَّ هذا أكبر تجريد له من رجولته، وأفدح طعن في مروءته، لأن الرجولة في جوهرها ضبط للنفس، لا انفلاتها، وسموٌّ عن الدنايا، لا استسلامًا لها.

وأمَّا المرأة التي تختار أن تختزل ذاتها في جسدٍ، وتعرضه كما يُعرض المتاع، فهي -وإن ظنّت أنها تُعلن حرِّيتهاـ لا تفعل إلا أن تقيِّد نفسها في أدنى صورها. جسدها لا يساوي روحها، ولا عقلها، ولا صوتها، ولا قلبها، فإن رضيت أن تُرى على أنها جسد فحسب، فقد انتقصت من إنسانيتها بيدها. والأنكى أنَّها بهذا تُعطي الذريعة لكل من يريد أن ينظر إليها نظر الاستهلاك، بدل أن يُعجب بكيانها الكامل.

الخطر أنَّ كل طرف حين يرضى بهذا الهوان يهين نفسه قبل أن يهين الآخر.
الرجل يعلن عجزه عن السيادة على شهوته، فيفقد جوهر رجولته. والمرأة تعلن تسليم نفسها لصورةٍ زائفة عن الحرية، فتفرّط بجوهر أنوثتها الكاملة التي تجمع العقل والروح مع الجمال.

للمزيد:
عن المرأة والرجل، أسئلة تنتظر أجوبة!
فطرة لن تندثر
خرم الفطرة


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة