ليس كلُّ سترٍ حجابًا، ولا كلُّ نقابٍ خلوصًا من التبرج؛ فقد تستر المرأة وجهها، ثم تُعلن عن نفسها من رأسها إلى أخمص قدميها:
بعباءة برّاقة مخصّرة، ضيّقة، مزركشة، وأكمام واسعة، وسواعد ظاهرة مزيّنة، لباسٍ لافت، وحذاءٍ ذي كعب عالٍ مرّصع بالألماس المزيّف، عيونٍ مكتحلة، ورموشٍ كثيفة مقلوبة، وتفاصيل تتعمد أن تقول للناظر: انظر إليّ، وكأنها سندريلا بنقاب ذاهبة لحفلة سواريه!
هنا لا بد من كلمة صريحة لا تُجمّل التناقض:
ما قيمة أن يُستر الوجه إذا صارت الهيئة كلها تستدعي الأبصار؟
المقصود من الحجاب في الشريعة ليس أن نغطي موضعًا من الجسد ثم نفتح أبواب الفتنة على باقي الجسد!
قال الله الحكيم العظيم سبحانه:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية.
والتبرج ليس مجرد كشف الشعر أو الوجه، بل هو إظهار الزينة على وجهٍ يقصد به الظهور والافتتان.
وقال سبحانه جل في علاه:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾
وقال تبارك وتعالى في الآية نفسها:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
تأملوا هذه الآية.
لم يكن النهي عن كشف الزينة فحسب، بل حتى عن لفت الانتباه إليها بطريقة تُعلِم الناس بوجودها.
فإذا كانت الشريعة تنهى عن ضرب القدم ليُسمع صوت الخلخال الخفي؛ فكيف بما يجعل الهيئة كلها محلَّ التفات: كعب عالٍ برّاق يظهر الأقدام الناعمة، تضرب وتطرق به مسامع القلوب قبل الطريق، مع مشي التمايل، وخط الكحل المُذيّل الذي يُميل قلوب الرجال بما يستوقف النظر ويسترق السمع والبصر؟
لنجعل الأمر واضحاً: المرأة تعرف تماماً كيف تكون جاذبة ومحط نظر.
إليكم قصة سالفة فيها عبرة وردت في مسند أحمد: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه:
” .. ذَكَرَ نِسْوَةً ثَلَاثًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ تُعْرَفَانِ، وَامْرَأَةً قَصِيرَةً لَا تُعْرَفُ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَصَاغَتْ خَاتَمًا، فَحَشَتْهُ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ الْمِسْكِ، وَجَعَلَتْ لَهُ غَلَقًا، فَإِذَا مَرَّتْ بِالْمَلَأِ أَوْ بِالْمَجْلِسِ، قَالَتْ بِهِ، فَفَتَحَتْهُ، فَفَاحَ رِيحُهُ”.
هذه امرأة ذكرت في معرضِ تحذيرِ النبي صلى الله عليه وسلم لنا من فتنة الدنيا وفتنة النساء، لبست فيه تلك المرأة كعبًا عاليًا لتطول، وحليا مميزا معطرا؛ لتجذب إليها كل الحواس من البصر والسمع والشم، فتُعرف وتتميّز بين الناس فكانت فاتنة مفتونة.
نعلم من الحكاية أنّ حب الزينة فطرة في المرأة ولكن وضعها وتوظيفها له مواضع؛ فليست المسألة حربًا على الزينة، لكن لكلٍّ موضعه، والمرأة المسلمة لا ينبغي لها أن تكون مهملة أو قبيحة الهيئة؛ وإنما مطالبة أن تعرف متى تتزين، ولمن تتزين، وأين تُظهر زينتها.
وعبرة أخرى من الحكاية:
أما تلاحظون التنافر بين مقاصد الحجاب وتطلّب التميّز والجمال وإظهار الزينة أمام الرجال؟
فكيف لمنقبة أن تسلكه؟ -نسأل الله العافية-
فأن يُلبس النقاب ثم تُستكمل الهيئة بما يناقض مقصود الستر من لفت الأنظار، فهذه صورة تحتاج إلى مراجعة صادقة.
الحجاب عبادة، والعبادة لها مقصد كما لها صورة.
وقد قال النبي ﷺ:
«صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لَم أرَهما: قَومٌ معهُم سياطٌ كَأذنابِ البَقَرِ يَضرِبونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مُميلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهنَّ كَأسنِمةِ البُختِ المائِلةِ، لا يَدخُلنَ الجَنَّةَ، ولا يَجِدنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لَيوجَدُ مِن مَسيرةِ كَذا وكَذا» رواه مسلم.
والعبارة النبوية «كاسيات عاريات» من أشد العبارات إيقاظًا للقلب: فوجود القماش وحده ليس هو المعيار؛ فقد تكون المرأة في ثياب، ومع ذلك لا يتحقق المقصود من الستر إذا كانت تلك الثياب أو الهيئة تكشف أو تصف أو تلفت وتَميل وتُميل بطريقة مناقضة لمقصود العفاف.
يا أخت الإسلام، إذا كان النقاب عندك طاعة لله سبحانه وتعالى؛ فاجعلي الطاعة تكتمل بمقاصدها.
لا تجعلي عينيكِ -وقد غُطي وجهك- أكثر ما يلفت النظر، ويشد الانتباه ويفتن الرجال.
ولا تجعلي خطواتكِ -وقد قصدتِ التزين بالحياء- إعلانًا بطرق الكعب والزينة البراقة ولفت السمع والبصر.
ولا تجعلي الثوب -وقد أردتِ به الحشمة- وسيلة لإبراز القوام والمفاتن والزخارف.
ولا تجعلي الرموش والمكياج رسالة تنادي الناس بما حاول النقاب أن يخفيه.
من الخطأ أن تتحول بعض صور التدين إلى مجرد «مظهر» نحرص على صورته أمام الناس، بينما تغيب عنّا الغاية التي شُرع من أجلها.
ليس المطلوب أن نُرضي أعين الناس، بل أن نطلب رضا رب الناس.
فإن كان في زينتكِ ما يستدعي الأبصار، فاسألي نفسكِ سؤالًا بسيطًا وصادقًا وأنت تخرجين بتلك الهيئة ولا تضحكي على نفسك:
هل تفعلين هذا حتى تكوني أجمل؟!
مصيبة إن كان جوابك الداخلي “نعم”
فاستيقظي من غفلتك، هذا يحتاج منك وقفة حقيقية ومراجعة لعملك وقلبك!
فيا من اخترتِ النقاب:
إذا كان مقصدكِ أن يراكِ اللهُ تبارك وتعالى طائعة، فلا تجعلي همَّكِ أن يراكِ الناسُ جميلة.
والله أعلم، وهو سبحانه أحق أن يُتَّبع ويُطاع.
بقلم: غـمـام
للمزيد:
ما وراء الحرب على النقاب!
تصحيح مفاهيم: النقاب حياء؛ وليس صك غفران!










