- الخيانة لغةً: نقيضُ الأمانة، وأصلُ الخَونِ النقصُ؛ لأنَّ الخائنَ ينقصُ المخونَ شيئًا ممَّا خانه فيه.
- أما اصطلاحًا، فيقول الراغب: «الخيانةُ مخالفةُ الحقِّ بنقضِ العهدِ في السرِّ». ويقول ابن عاشور: «وحقيقةُ الخيانةِ: عملُ مَن اؤتُمِنَ على شيءٍ بضدِّ ما اؤتُمِنَ لأجلِه، بدونِ علمِ صاحبِ الأمانةِ». ¹
يقول الله تعالى في سورة الأنفال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فذكر نوعين من الخيانة، وهما:
خيانة الله والرسول صلى الله عليه وسلم:
ويكون ذلك بمعصيتهما ومخالفة أمرهما، واتباع الهوى وأهله بعيدًا عن الشرع، والتساهل في السنن مع القدرة عليها، وكلُّ ما هو عدولٌ عن مقتضى العهد الإيماني الذي يربط العبد بربه ورسوله، وهو عهدُ الاتباع والانقياد والتسليم.
وهنا التفاتة: نجد أنه ذكر الفعل «لا تخونوا» مرةً واحدةً مع الله والرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكرره، وفي ذلك دلالةٌ على تلازمهما؛ فمن خان الله فقد خان الرسول، ومن خان الرسول فقد خان الله؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم نذيرٌ وبشيرٌ ومبلِّغٌ لدين الله ورسالته.
يقول الله عز وجل:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
خيانة الأمانة:
يقول الله تعالى في سورة الأحزاب:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
فسَّر حبرُ الأمة ابن عباس رضي الله عنه الأماناتِ بالأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، والتكاليف الشرعية.
يقول الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾،
ويقول سبحانه:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾.
وهي بابٌ واسع، وهناك تكاليف مشتركة بين العباد؛ مثل الصلاة، فبمجرد بلوغ سن التكليف مع توفر الشروط تكون مفروضةً، في حين نجد تكاليف تختلف باختلاف العباد؛ مثل الزكاة، فهي تكليفٌ وفرضٌ على من بلغ ماله نصاب الزكاة.
وأعقبها الله بقوله:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وفيها بيانٌ لفتنتين من فتن الدنيا، وكأنها إشارةٌ إلى أن هذه الفتن هي التي قد تُفضي إلى أيٍّ من الخيانتين السابقتين. صحيحٌ أنها ليست شرًّا في ذاتها، إلا أنها قد تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه إذا لم يضبط العبد بوصلته ويسدِّد هدفه منها.
فيُذكِّر الله تعالى بأن هذه الأموال والأولاد ابتلاءٌ واختبارٌ منه سبحانه في دار العبور؛ لينظر أسيحفظون حدوده أم يقعون فيما نُهوا عنه؟ وأنما هي حاجاتٌ أوجدها الله لتساعدنا على تحقيق عبوديتنا، وتكون لنا عونًا على الوصول إلى مبتغانا الأكبر.
التفاتة أخرى:
إن الترابط يبدو وثيقًا بين خيانة الله والرسول، وخيانة الأمانات، رغم التفصيل لفظًا؛ حيث إن العهد الإيماني بين العبد وربه بطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم هو أصل الأمانة الكبرى.
ومن خان هذا العهد وأخلَّ بهذا الأصل، فحريٌّ به أن يخون ما يندرج تحته من فروع. وهنا تتسع دائرة الخلل من علاقة العبد بربه إلى ما استُرعي عليه من حقوقٍ وتكاليف في نفسه ومع غيره.
فكأن خيانة الأمانات هي امتدادٌ عمليٌّ لخيانة العهد الأول، وميزانٌ يُكشف به صدق الالتزام أو اضطرابه في القلب.
قال ابن حجر الهيتمي: «أمَّا خيانةُ اللهِ ورسولِه فمعصيتُهما، وأمَّا خيانةُ الأماناتِ فكُلُّ أحدٍ مؤتَمَنٌ على ما كلَّفه اللهُ به، فهو سبحانه مُوقِفُه بين يديه، ليس بينه وبينه ترجمان، وسائِلُه عن ذلك: هل حفظ أمانةَ اللهِ فيه أو ضيَّعها؟ فليستعدَّ الإنسانُ بماذا يجيبُ اللهَ تعالى به إذا سأله عن ذلك؛ فإنَّه لا مساغَ للجحدِ ولا للإنكارِ في ذلك اليومِ، وليتأمَّلْ قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: 52]؛ أي: لا يرشدُ كيدَ من خان أمانتَه، بل يحرِمُه هدايتَه في الدنيا، ويفضَحُه على رؤوسِ الأشهادِ في العقبى، فالخيانةُ قبيحةٌ في كلِّ شيءٍ». ²
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
فكيف يهنأ قلبٌ يعلم أن الله لا يحبُّ الخائنين إذا خان؟
¹، ²: موقع الدرر السنية










