هلمَّ إليَّ يا “دوفلامنغو”، تعال لنتبادل الأحاديث بيننا، ونجلس على عتبة منزلٍ قديمٍ شرقي، على ضوء ليلةٍ مقمرة، لنناقش حضارتين مختلفتين؛ تقوم الأولى على المادة والآلة، والثانية على الروح والروابط. في الشرق، يا حبيبي البعيد، لنا شمسٌ دافئة، لكنها قد تصبح حارقة، وفي الغرب لا تشرق الشمس إلا بإذن. في الشرق نتنفس بعمق، فإذا حاولنا تقليد الغرب اختنقنا. ولعلك تتساءل: إلى أين أذهب بهذا الحديث؟ ولن أطيل حيرتك، أتحدث عن الطب عمومًا، وكيف نُلبس الطب الذي نشأ في الوسط الغربي البارد معطفَ الشرق الدافئ.
حدثت الطامة عندما استوردنا العلم والمهنية من بلاد الأفرنجة، دون تطويعهما. فالثقافة الغربية نتاجُ سياقٍ ماديٍّ يرى الإنسان وحيدًا مستقلًا، يبدأ خطُّه من نفسه وينتهي عندها. هناك صعدت الفردانية كعقيدةٍ بديلةٍ عن الدين بعد عصر التنوير، فأصبح الإنسان في فلسفتهم كوكبًا معزولًا، يدور في فلكه الخاص، يملك جسده، وحريته، وسعادته المادية، كحقوقٍ مطلقة. وحين صاغوا علوم الطب والنفس، صاغوها لتناسب هذا الإنسان الذري؛ فالعلاج هناك يهدف إلى جعل الفرد مستقلًا، منتجًا، قادرًا على العيش بمفرده في غابته. أما نحن، فأبناء الحارات، والبيوت المتلاصقة، معجونون بالعشم، والمواساة، والترابط، غصنٌ في شجرةٍ كبيرةٍ مترابطة، لا يمكن العلاج دون النظر في الجذور.
قبل فترة أُثيرت قضيةٌ في مصر-لا يعرف أحدٌ كيف بدأت- لكن النتائج التي رآها الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي كانت: مريضةٌ ذهبت لخلع ضرسها، فخرجت بشجٍّ في الرأس، وطبيبةُ أسنانٍ كانت تؤدي عملها، فكُسر ساعدها. وتتفق القصتان أن الأمر بدأ من ضرسٍ خُلع، ولم تسترده صاحبته لأسبابٍ تعود إلى سياسة المستشفى في التحكم بالعدوى.
نحن في مجتمعٍ يؤمن أن هذا السنَّ ليس نفاية؛ إنه جزءٌ من ذات الإنسان، وغلافٌ لأسراره، أو في الوعي الشعبي الخائف: أداةٌ قد تقع في يد ساحرٍ يقلب حياته جحيمًا. ورفض الطبيبة نُظر إليه على أنه استعلاءٌ معرفي، واستهانةٌ بمخاوف دفينة.
يجب على الكادر الطبي، أثناء العمل، أن يتذكروا أنهم أبناء هذا المجتمع، وليسوا أبناء الغرب. عندما يأتي الطبيب ليطبق القانون الغربي بصلافةٍ بيروقراطية، قائلًا: “ممنوع، هذه نفاياتٌ طبية!”، فهو هنا لا يمنع سنًّا فقط، بل يُسفِّه عقيدة المريض، وثقافته، ومخاوفه. المريض لا يفهم خطورة البكتيريا في تلك اللحظة، بل يفهم أن الطبيب يسرق جزءًا منه، ويحتقر مشاعره.
الطب العضوي يحتاج إلى أنسنةٍ شرقية؛ طبيبٍ يلتزم بالمنهج العلمي الغربي، لكنه يبتسم في وجه المريض، ويسأله عن حاله وأهله. ومع هذا، لا يزال الطب العضوي يملك ترف معاملة الإنسان كآلة، أما الطب النفسي فلا؛ لأنه يتعامل مع الهوية والوجود. وأنا هنا لا أتحدث عن الأمراض العضوية التي تسبب أمراضًا نفسية، ولا عن اختلال الكيمياء في الدماغ، ولا تشنج الجسد، بل عن الروح التي استودعها الله.
حلول الغرب التي تركز على الانفصال، والاعتزال، والتركيز على الذات، تصلح هناك؛ لأن المجتمع مهيأ لاستيعاب الفرد الوحيد؛ فهناك دور رعاية، ونظامٌ اجتماعي يدعم المنعزلين. فإذا نصح طبيبٌ شخص عربي بما سبق، فهو لا يحل مشكلته، بل يُدمر بنيته الوجودية. هذه الفجوة سببت ما نراه الآن من إنكارٍ للطب النفسي، وإرجاع كل خللٍ إلى المس الشيطاني والجن.
العلوم الإنسانية الحديثة نشأت داخل رؤيةٍ ماديةٍ غربيةٍ للإنسان؛ الإنسان مجرد دماغ، والروح لا وجود لها، والوحي ليس مصدرًا للمعرفة، والدين مجرد آليةٍ نفسية.
وتلك مجرد فلسفةٍ فارغة، لم تجد صدىً في الشرق، لكنها وجدت مقاومةً عنيفةً قررت التطرف وإنكار كل شيء. والحقيقة أن الإنسان يحتاج إلى كل شيء: علاجٍ طبي، ودعمٍ نفسي، ورقيةٍ شرعية، وأسرةٍ تحتضنه، وعبادةٍ ودعاء. فنحن نؤمن بوجود الجن والسحر، لكننا لا نجعل كل حالةٍ نفسيةٍ بسببهما، ونؤمن كذلك بالأسباب الطبية، لكننا لا نحصر الإنسان في كيمياء الدماغ وحدها.
هناك خلطٌ كبير بين علم النفس الفلسفي والتربوي والإرشادي، الذي نملك فيه -كأمة- تفوقًا مطلقًا عبر تراث التزكية والإحسان، وبين الطب النفسي السريري العضوي المعاصر، وهو ما يجعل الناس يظنون أن الذهاب إلى الطبيب علمنةٌ وتغريب. نعم لرفض مادية فرويد وإلحاد روجرز، ولكن لا لرمي أدوات التشخيص السريرية التي تنقذ الأرواح.
للمزيد:
دجل باسم الطب والدين










