“بلال”

|

بلال؛ ثمة أمور كثيرة يجب أن يكتب عنها الإنسان ويرتبها بمفردات قويَّة، ثمَّة كلمات لا بدَّ من أن تتعرَّق الورقة لشدَّة هيبتها، ربَّما يجب على كل شيء أن يضع نفسه في موضعة الصحيح، حتَّى الصخرة يجب أن تعرف معناها الحقيقي، صخرة واحدة تحمل مراسم القوَّة المجهولة ولكننا حين نربطها بجهتين مهمَّتين تصبح مميزة حقًا؛ فالحجارة ظلَّت لسنوات سلاحًا للفلسطينيين، وعلقت في ذاكرة اليهود، كما أنَّها السلاح الذي أخرجني من قعر  العبوديَّة..

كانت تِلك الصخرة بداية مرحلة جديدة في حياتي، لم يكن تحريرًا جسديًّا فقط بل كانت بداية تحرير روحيّ، حتَّى التعذيب الذي حدث معي لم يكن تعذيبًا لو تقرح جسدي بسببه، تبرَّت حنجرتي منِّي لحظتها وعلقت تُردد دون توقف “أحدٌ أحد”!

كان النبي قد سمح لنا بأن ننطق باللسان عند التعذيب بأنَّنا لسنا مسلمين، ولكنني جعلتها حربًا إيمانيَّة، حرب بِلال المؤمن ليس العبد، لم أقبل أن أرتدَّ عن ديني؛ لأنِّي قضيت عمري عبدًا لا يملك شيئًا، حتَّى نفسه!

لذلك كانت بوابة الصحراء الحارقة طريقَ الحرية الذي اخترت أن أسلكه، ربَّما لو كان عبدًا آخر اعتاد أن يكون مملوكًا لتراجع، ولكنني كنت دائمًا أشعر بأنَّ في داخلي جناحين يرفضان الخضوع لإله حجريّ، الأمر كان مُتعلقًا باليقين الداخليّ، طريقة إيماني لم تكن صعبة؛ كنت متأهبًا لها بطريقة لا أعرفها، حتّى صوتي الجميل الذي كان القوم يسخرون منه ويجعلونه تسلية لهم أوقات سكرهم خلّدني.

هذا الفرق بين الإسلام والكفر، فالإسلامُ يطهرك ويضعك على ثغرك الحقيقي الذي يقودك إلى الجنَّة، حتَّى إنَّني حين حصلت على حريتي لم أفكر بهجر مكة ولا الذهاب إلى الحبشة، بقيت هُناك حيث حلَّق صوتي، وحيث ستردد حنجرتي الفقيرة أغنى مفردات العالم، ربَّما كان العابرون ينظرون إليّ ذليلًا عبدًا أسودَ يتيمًا، ولكنني كنت قد تحررت من عنفوان العبودية، كنت أحلق بعيدًا عنهم، لم أكن حرًّا كما أنا الآن، أحيانًا تبدو الحياة ظالمة ولكنها أنصفتني حين دعاني النبي من ذلك الكهف وطلب منِّي البُنّ، ربَّما كان ذلك عوضي عن كل سنوات السلب واليتم والقهر، كثيرًا ما فكرت كيف يقضي الأحرار أيَّامهم؛ هل يفعلون ما يروقهم؟ ربَّما كانوا يمشون خلف كلمات عائلاتهم، لم يخطر لي حقًا بأنِّي سأكون حرًّا،

حرًّا بكلِّ معاني هذه الكلمة الصارخة، أتذكر جيدًا الحمّى التي تسللت إلى جسدي حين غادرت مكة مهاجرًا إلى المدينة، الآن علمت ماذا تعني حمى الشوق، أن تترك أرضًا كنت فيها مقيدًا بكلِّ معاني العبودية، وفيها تملّكت كلّ معاني الحريَّة، كان الشوق لمكة مؤلم كثيرًا، ولكن العزاء أنني خرجت أحمل في أضلعي دينًا قويمًا، هناك بدأت رحلتي الحقيقيَّة، هناك كتب الله لي أن أبدأ بترديد كلمة العبوديَّة التي رسخت فيّ وأنا تحت التعذيب، الآن ارتبطت بي أكثر وتعلقت بها أكثر، الآن أنادي الناس إلى صلاة الإله الواحد الذي كنت أنادي به وأنا تحت الصخرة..

أتذكَّر لحظة تلقيني الأذان، كنت أتسال كيف لبلال الأسود الحبشي أن ينادي الناس إلى صلاة؟

كنت أشعر بأنّني أصبحت إنسانًا، هذا الدين لم يخرجني من الظلمة إلى النُّور فقط، بل جعلني أشعر بةن لديَّ عائلة ووطنًا وحلمًا وجائزة عظيمة، يجب أن أجتهد للحصول عليها، أتذكر جيدًا المرة الأولى التي عانق صوتي فيها مفردات الأذان، ولم يكن النبي حاضرًا لسماع صوتي، أتذكر كيف بللني البكاء، وخنقتني يدا العبرات، تذكرت كل مرة كنت أردد اسمه في الأذان وأنظر إليه،

  أصبح ثغري عقيمًا من ولادة الكلمات، وعيني مُصابة بنزيف يغرق أهدابي كلَّما رددت اسمه.. حينها فقط علمت ماذا يعني أن تكون يتيمًا بعد أن وجدت سندًا يحررك بعد عمرٍ من العبوديَّة.

كانت في روحي جنازة لربَّما تعلقي بالنبي كبير…أكثر من أي شيء ولكني لعقت جرحي ورددت:

“غدًا نلقى الأحبَّة، محمدًا وحزبه”

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة